فقار فاضل
تحوّل ترشيح رئيس ائتلاف «دولة القانون»، نوري المالكي، لرئاسة الحكومة العراقية، إلى اختبار توازن بين الإدارة الأميركية الرافضة لذلك الترشيح من جهة، وقدرة القوى الشيعية على فرض خيارها هذا، في لحظة إقليمية شديدة التوتّر. وكشفت وزارة الخارجية العراقية أن رسالة أميركية وصلت إلى العراق، اشتملت على فقرتَين: الأولى، تتعلّق بإمكانية فرض عقوبات على بعض الأشخاص والمؤسسات؛ والثانية، تتناول معايير التعاون بين بغداد وواشنطن، خصوصاً في ما يتصل بطبيعة الحكومة المقبلة وآليات عملها.
والواقع أن الإدارة الأميركية لم تخفِ موقفها «الثابت والحازم» من ترشيح المالكي، ملوّحة، عبر وزارة الخارجية، بإعادة تقييم العلاقة مع العراق إذا مضت القوى السياسية في ذلك الترشيح. وبحسب دوائر متابعة، فإن واشنطن لا تنظر إلى الأمر من زاوية شخصية فحسب، بل من زاوية «شكل السلطة» التي ستنتجها التسوية المقبلة، وما إذا كانت ستكرّس نفوذاً تعتبره الإدارة جزءاً من معادلة إقليمية تسعى إلى تعديلها.
وفي ضوء ذلك، تكثّفت داخل «الإطار التنسيقي» الاجتماعات المُغلقة للبحث عن مخرج من الأزمة، وسط حديث عن لقاءات يومية خلال شهر رمضان في الاتجاه نفسه. ويقول قيادي بارز في «الإطار التنسيقي»، لـ»الأخبار»، إن الضغوط على المالكي «حقيقية ومتزايدة»، مستدركاً بأن الرجل لا يزال يتمسّك بحقه في الترشح، ويعتبر أن أيّ تراجع يجب أن يصدر بقرار جماعي، لا استجابةً لضغط خارجي.
والمفارقة، وفق المصدر نفسه، أن إيران – التي كانت حتى وقت قريب تُحسب في خانة الداعمين لعودة المالكي – أبدت في الآونة الأخيرة تحفّظاً واضحاً، وفضّلت «رمي الكرة في ملعب قادة الإطار». وبمعزل عن صحّة هذا التحفّظ من عدمه، فإن أطرافاً في بغداد تقرأ فيه إدراكاً إيرانياً لحساسية اللحظة، ولا سيما في ظلّ تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، وعدم الرغبة في فتح جبهة إضافية عبر فرض اسم يواجه اعتراضاً أميركياً صريحاً.
رسالة أميركية تهدّد بإمكانية فرض عقوبات على بعض الأشخاص والمؤسسات
على أن الأزمة لا تتوقّف عند حدود الموقف الأميركي؛ إذ يكشف نائب شيعي سابق، لـ»الأخبار»، أن تصريحات المالكي الأخيرة حول «حصر السلاح بيد الدولة» أحدثت ارتباكاً داخل بعض الفصائل التي كانت تُعدّ من داعميه. فبالنسبة إلى هذه القوى، بدا الخطاب أقرب إلى محاولة إعادة تموضع سياسي أمام الغرب، وهو ما أثار خشية من تحوّل الشعار إلى سياسة فعلية إذا ما عاد الرجل إلى رئاسة الحكومة.
على أن قوى «الإطار التنسيقي» تدرك أن أيّ خطوة في ذلك الاتجاه، حتى في سبيل إرضاء الولاءات المتحدة التي تضع ملف الفصائل ونفوذها في صلب مقاربتها للعلاقة مع العراق، ستنعكس على توازناتها الداخلية. ولذا، تبدو معادلة «حصر السلاح» أقرب إلى عنوان تفاوضي منها إلى برنامج قابل للتنفيذ الفوري، خصوصاً في ظلّ تشابك سياسي – أمني تراكم على مدى عقدين.
وبالعودة إلى المالكي، تؤكد قيادات في «ائتلاف دولة القانون» أن الرجل مستمر في ترشيحه، وأن ما يُتداول عن انسحابه «لا يعدو كونه جزءاً من حرب نفسية وإعلامية». وتشدّد هذه القيادات على أن تغيير المرشح لا يتمّ إلا بتوافق داخل «الإطار»، لا تحت ضغط الرسائل الأميركية، معتبرة أن الخضوع لتهديد بالعقوبات سيشكّل سابقة خطيرة في مسار القرار السيادي.
وعلى أيّ حال، يعتقد عضو ائتلاف «النصر»، سلام الزبيدي، أن «أي حكومة أو رئيس وزراء قادم لن يكون قادراً على مواجهة العقوبات الأميركية المحتملة بمفرده، خصوصاً في ظلّ التعقيدات السياسية والاقتصادية التي يمرّ بها العراق»، مشيراً إلى أن «العملية السياسية بلغت حدّ الانسداد الأقصى، فيما يمثّل التهديد بالعقوبات تحدّياً كبيراً يحتاج إلى تضافر الجهود والتنسيق بين كل القوى السياسية». ويؤكّد أن «الإطار التنسيقي سيتعامل بجدّية مع هذه التحدّيات، وسيعمل على تفكيك تداعيات أيّ عقوبات مُحتملة بما يضمن استقرار البلاد».
من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي، عباس العوادي، أن التلويح بالعقوبات يمثّل أداة ضغط مدروسة، مبيّناً، في حديث إلى «الأخبار»، أن «أيّ إجراءات مُحتملة لن تستهدف الدولة العراقية بصورة مباشرة، بل شخصيات أو مؤسسات مُحدّدة، بما يسمح لواشنطن بتوجيه رسالة قوية من دون الذهاب إلى قطيعة شاملة». ويلفت إلى أن «الإطار التنسيقي يواجه اختباراً فعلياً: فإذا لم يتمكّن من حسم خياره ضمن هامش زمني مفهوم سياسياً، فقد يفقد تماسكه الداخلي، أو يُدفع إلى تسوية اضطرارية». لكنه يستبعد في الوقت نفسه انهيار التحالف، مُرجِّحاً أن تفرض البراغماتية السياسية مرشّحاً وسطياً «بعيداً عن الفيتو الأميركي، ومن دون أن يظهر الإطار في مظهر المنكسر».
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
