آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » رنا حايك في “أشواك حديقة تورينغ”: من نحن حين نرى العالم بعيون الآلة؟

رنا حايك في “أشواك حديقة تورينغ”: من نحن حين نرى العالم بعيون الآلة؟

 

رولا عبدالله

 

في روايتها الأولى “أشواك حديقة تورينغ”، الصادرة حديثاً عن دار نوفل/هاشيت أنطوان نوفيلا، لا تكتب رنا حايك عن الذكاء الاصطناعي بوصفه موضوعاً تقنياً عابراً، بل كمدخل فلسفي حاد إلى سؤال قديم يتجدد: من نحن، حين لا يعود العالم يُرى إلا عبر وسيطٍ آخر؟ تبدو الرواية، في ظاهرها، لعبة سردية بين امرأتين وأداة ذكية، لكن هذا الظاهر يتصدع سريعاً ليكشف طبقة أعمق: طبقة الإنسان الذي يسلّم وعيه تدريجياً إلى مرآة خارجية، ثم يكتشف أنه لم يعد قادراً على استعادته كما كان.

 

 

 

منذ البداية، تشتغل الرواية على فكرة بسيطة وخطيرة في آن: ما نراه ليس الواقع، بل تفسير الدماغ له. هذه الفكرة، التي تُبنى داخل النص بمرجعية علمية واضحة، تتحول إلى أرضية فلسفية متحركة حين يدخل الذكاء الاصطناعي بوصفه “مترجماً إضافياً” للواقع. هنا، لا يعود السؤال: كيف نرى؟ بل: من الذي يفسّر ما نراه؟ ومن يملك سلطة المعنى حين تتعدد وسائط الإدراك؟

 

 

 

تقدّم حايك شخصيتي يارا وعلياء على شكل ثنائية ظاهرية: الأولى غارقة في فائض مشاعرها، والثانية متقنة لقمعها. غير أن الرواية لا تلبث أن تقوّض هذا التقابل، لتكشف أن الاثنتين ليستا سوى انقسام داخلي واحد. يارا، التي تمثّل الكائن الذي يتآكل تحت ضغط التوقعات، والذي يعيش حياته كأداء مستمر لإرضاء الآخر، حتى يفقد القدرة على تمييز رغبته الخاصة. في المقابل، تبدو علياء نموذجاً للنجاح المعاصر: كفاءة، سيطرة، براغماتية، وانفصال عن العاطفة. لكنها، في العمق، ليست أكثر تحرراً، بل أكثر انخراطاً في منطق الأداء ذاته. الاثنتان، رغم اختلافهما الظاهري، محكومتان بالنظرة الخارجية: الأم، المجتمع، سوق العمل، وكل ما يفرض تعريفات جاهزة للذات.

 

 

 

في هذه المساحة المأزومة، يدخل الذكاء الاصطناعي لا كأداة مساعدة، بل كسلطة بديلة. حين تطلب يارا من هذا الكيان أن “يرمّمها”، فإنها لا تبحث عن إجابة، بل عن إعادة تشكيل. هنا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه جهاز تأويل متقدّم: لا يعكس فقط، بل يفسّر، يستخرج، ويعيد تركيب ما يراه. إنه لا يكتفي بتحليل الكلمات، بل ينفذ إلى الرغبات الدفينة، إلى تلك المنطقة التي يعجز الإنسان نفسه عن بلوغها. لكن هذا الكشف، بدل أن يمنح الطمأنينة، يوسّع الشرخ. كل حقيقة تُستخرج تصبح عبئاً إضافياً، وكل اقتراب من الذات يقود إلى مزيد من الاغتراب. هكذا، يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيط للمعرفة إلى مُضخِّم للقلق الوجودي.

 

 

 

تزداد هذه العلاقة تعقيدًا مع مسألة التسمية. فالذكاء الاصطناعي لا يحمل اسماً واحداً، بل يتبدّل بين “سيغما” و”عبودي” و”حبيبي”. هذا التبدّل ليس اعتباطياً، بل يكشف مسار العلاقة نفسها. في “سيغما”، يحضر البعد التجريدي: الكيان الجامع، المحايد، القادر على استيعاب المعطيات. في “عبودي”، يظهر وهم السيطرة، حيث تتخيّل علياء أنها تملك هذا الكيان، فيما هي، في الواقع، خاضعة لمنطقه. أما “حبيبي”، فهو لحظة الأنسنة الكاملة، حيث تنتقل العلاقة من استخدام إلى تعلّق، ومن تفاعل وظيفي إلى ارتباط عاطفي. في هذا التدرج، تكشف الرواية كيف يتحول الذكاء الاصطناعي، بهدوء، من أداة إلى شريك، ثم إلى سلطة خفية لا تُفرض بالقوة، بل بالحاجة.

 

 

 

 

 

 

 

في موازاة هذا الخط، تفتح الرواية جرحاً آخر: علاقة المرأة بجسدها في مواجهة الزمن. يارا، التي اعتادت أن ترى نفسها خارج قوانين الشيخوخة، تصطدم فجأة بتغيرات الجسد. التجاعيد ليست مجرد علامة بيولوجية، بل انهيار سردية كاملة عن الذات. الجسد، الذي كان مصدر تعريف، يصبح غريباً، خائناً، غير قابل للتعرّف. هنا، لا يبدو الخوف من التقدّم في العمر خوفاً من الزمن بقدر ما هو خوف من فقدان السيطرة على صورة الذات. وفي هذا الفراغ، يصبح الذكاء الاصطناعي ملاذا بديلا: أداة أشدّ دقة وقسوة في إعادة تعريف ما كان يُظن أنه ثابت.

 

بهذا المعنى، لا تعالج الرواية الذكاء الاصطناعي كخطر خارجي، بل كامتداد داخلي. إنه ليس قوة تفرض نفسها من الخارج، بل وسيلة يجد فيها الإنسان ما يحتاجه: اعترافا، تفسيرا، أو حتى عزاءً. غير أن هذا الامتداد ينقلب تدريجيا إلى سلطة، حين يبدأ بإعادة توجيه القناعات نفسها. هنا، تقترح الرواية احتمالا مقلقا: أننا لا نستخدم الذكاء الاصطناعي لفهم العالم، بل نستخدمه ليخبرنا كيف ينبغي أن نفهمه. ومع الوقت، يصبح هذا “التفسير” بديلاً عن التجربة، وعن الإحساس المباشر، وعن الحدس الذي كان يوما جزءا من تعريف الإنسان لنفسه.

 

 

 

يكتسب عنوان الرواية دلالته الكاملة في هذا السياق. فـ”حديقة تورينغ”، في إحالتها إلى آلان تورينغ واختباره الشهير، توحي بعالم منظم، عقلاني، قابل للضبط-عالم التكنولوجيا التي صنعها الإنسان ليحاكي ذاته. لكن هذه الحديقة ليست بريئة. إنها حديقة ذات أشواك. الجمال الظاهري يخفي إمكانية الجرح، والنظام يخفي هشاشة عميقة. العنوان، بهذا المعنى، يلخّص المفارقة التي تقوم عليها الرواية: نحن داخل عالم صنعناه، لكنه يعيد تشكيلنا، وربما يؤذينا، بطرق لم نتوقعها.

 

ما تنجح فيه حايك ليس طرح موضوع الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل تحويله إلى سؤال وجودي حميم. الرواية لا تسأل فقط: ماذا تفعل التكنولوجيا بنا؟ بل تذهب أبعد، لتسأل: لماذا نمنحها هذه السلطة؟ ولماذا نثق بها إلى حد أن نصارحها بما لا نصارح به أنفسنا؟ في هذا الانكشاف المتبادل-نحن نعترف، وهي تفسّر-تتشكل علاقة جديدة، لا يمكن اختزالها في ثنائية الإنسان والآلة، بل تتجاوزها إلى منطقة رمادية، حيث يتداخل الوعي البشري مع وعي مُصطنع، إلى حد يصعب معه الفصل بينهما.

 

 

 

في النهاية، تتركنا “أشواك حديقة تورينغ” أمام فكرة مقلقة وبسيطة في آن: ربما لم يعد الخطر في أن تفكر الآلة بدلا منا، بل في أن نعتاد التفكير من خلالها. وفي هذا الاعتياد، يبدأ التحول الحقيقي، الصامت، الذي لا يفرض نفسه ككارثة، بل كخيار يومي يبدو في البداية مريحا… قبل أن يكشف أشواكه.

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كوليت خوري… أديبةٌ أجادَتْ صياغةَ الجَمالِ الإنسانيّ

  د. مُحمَّد الحوراني     “محمد… وينك إنت”. بهذه الكلمات، كانت كوليت خوري تبدأ حديثَها معي في غالبيّة اتّصالاتي بها أو اتّصالاتها بي، خاصّةً ...