علي سرور
من استديوهات الدوحة إلى شاشات الخليج، يبرز حسن أحمديان كوجهٍ غير مألوف في زمن الحرب على إيران. عبر برنامج «نقاش الساعة» على «الجزيرة»، يفرض حضوره بهدوءٍ أكاديمي وحججٍ دقيقة، متحدّياً صخب خصومه، ليصبح «رجل الساعة» في مواجهة إعلامية تعيد تشكيل سرديات الصراع في المنطقة
من الطبيعي أن يتمخّض عن الحروب المصيرية التي تُهدّد الشعوب، نجمٌ إعلاميّ يأسر اهتمام الجمهور المترقّب لمآل الأحداث. وفي تجارب الشرق الأوسط السابقة، على كثرتها، خرجت نماذج من رحم الأحداث لتتميّز بين غيرها على الشاشات، مثل «المُلثّم الغزاوي» أبو عبيدة الذي تحوّل إلى أيقونة ترمز إلى النضال الفلسطيني. غير أنّ الحرب الحالية على إيران، أنتجت نجماً من نوع آخر لم يألفه المشاهد العربي، حيث الهدوء والحجّة والبرهان، تتغلّب على العواطف والتجييش والأوتار الصوتية العالية.
من رحم برنامج المواجهة «نقاش الساعة» على قناة «الجزيرة» القطرية، وُلدت حالة فريدة اجتاحت شعبيتها الشاشة التقليدية ووصلت إلى منصات التواصل الاجتماعي. حسن أحمديان، باحث سياسي إيراني، يقف يوميّاً في مواجهة «عشّ الدبابير» داخل استديوهات الدوحة، ليراكم بعد كل نقاش مزيداً من النقاط لسرديّة بلاده السياسيّة، بينما يتناوب الآخرون على محاولة ردع قوّة المنطق لدى المحلّل الشاب، من دون أي نتيجة.
الكثرة لا تغلب الشجاعة
استطاعت القناة القطرية تقديم برنامج فريد من نوعه، حيث يتوسّط المقدّم الطاولة الطويلة، بينما يتمركز على متاريسها ثمانية محلّلين وباحثين، غالباً ما يتمتّعون بخلفية أكاديمية متينة ومسيرة مهنيّة حافلة. وبما أنّ الدولة الراعية للقناة تلقّت نصيبها من الردّ الإيراني على العدوان، وضع البرنامج حسن أحمديان في بيئة معدّة سلفاً للترويج لرأي الغالبية الموجودة، بين ضيوف خليجيّين، بعضهم دائمو الوجود، وآخرون من جنسيات عربية أخرى تدور في الفلك ذاته.
لكنّ أحمديان استطاع استغلال الوضعيّة المعقّدة في الحوارات لزيادة تردّدات صولاته اليومية بين المتابعين. ورغم كثرتهم في مواجهته وحيداً من دون وجود محلّلين من أطراف حليفة لإيران، إلّا أنّ النقاشات المحتدمة، غالباً ما تنتهي بحجج هادئة من أحمديان، في وجه صخب متعدّد المصادر من المحلّلين اليائسين في إيجاد خرق للمنظومة الفكرية للشاب الإيراني.
من بين الحوارات الكاشفة التي تضجّ على وسائل التواصل الاجتماعي، يعيد الناشطون نشر جزء من حوار بكثافة، تُوضع فيه النقاط على الحروف عمّا يجري في منطقة الخليج، بين أحمديان، ورئيس «مركز المدار للدراسات السياسية»، الإعلامي الكويتي صالح المطيري.
في معرض شرح المطيري لسرديّته حول تحويل إيران للدول الخليجية إلى «رهينة» في حربها، وجّه المحلّل المخضرم سؤالاً «استفزازياً» مباشراً إلى أحمديان يقول فيه: «نحن لا نفهم لماذا تتساقط الصواريخ والمسيّرات بشكل يومي دون مبرّر أخلاقي أو قانوني على دول الخليج». إلّا أنّ الباحث الإيراني عاجله بردّ سريع مدعوم بلغة جسد رصينة، تُظهر ترابط الحجّة مع العاطفة: «هل من الأخلاق أن تُترك الأراضي والسماء والبحر لتُستخدم ضدّ إيران؟».
ما إن أنهى أحمديان جملته، حتّى بدأت المداخلات من كل حدب وصوب، لكنّها على كثرتها، بدت كالتشويش من دون أي مضمون، بينما حافظ الشاب الإيراني على انضباطه محترماً آداب الحديث الرئيسية، بالصمت عند تكلّم الآخرين، على عكس عادات كثير من الضيوف الآخرين.
وعلى هذا المنوال، تستمرّ النقاشات: معظم الضيوف يبرزون إلى المواجهة، ليحاولوا جاهدين بكل ما في جعبتهم من دعايات ملكيّة تؤتي ثمارها عادةً على شعوبهم، لكنّها تصطدم باستقامة أجوبة أحمديان التي لا تنحرف ولا تلتوي رغم الاستفزازات وكثرة المتقدّمين إلى ميدان الصّراع على السردية.
لسان أكاديمي
على وقع الصعود المدوّي للمحلّل الإيراني، بدأت «الأساطير» تُروّج حول قدراته. وبينما استمتع ناشطون بجولاته «البطوليّة»، خرج آخرون ـــــ معظمهم من دول الخليج العربي ــــ تارةً للتعبير عن غضبهم للسماح للقناة القطرية باستضافة هذا المحلّل «الخطير» على عقول المشاهدين، وطوراً لتوبيخ الضيوف الخليجيّين الذين لم يكونوا في مستواه.
في هذا الإطار برز منشور على منصّة «إكس» لخالد الكواري، أحد الناشطين القطريّين، ولديه آلاف المتابعين إذ اعترف قبل أيّام بـ «إنصاف» بأنّ الرجل «محلّل قوي يعرف كيف يُقدّم رواية بلاده بذكاء وثقة». لكن رغم نيل المنشور آلاف الإعجابات، جلب ويلات التخوين للمغرّد القطري، ليعود ويُعالج الموقف بتغريدة أخرى تطلب بالإتيان بمن هو «قادر على لجم هذا المحلّل الإيراني، فهو في صفّ ونحن في صف آخر تماماً».
عرّى حملةً إعلامية ضخمة تهدف إلى تخدير الشعوب العربية
بالإضافة إلى ذلك، حاول بعضهم الاستعانة بنظريات المؤامرة للجم نجوميّة المحلّل الصاعدة. وبين ادعاءات أنّه رجل استخبارات مدرّب يتكلّم لغات لا تعدّ ولا تحصى، هدفه ضرب العالم العربي، وبين أخرى حاولت تكذيب مسيرته المهنية والأكاديميّة، نجح «رجل الساعة» في شدّ شريحة واسعة من الجمهور تدفع آلاف مؤلفة إلى ضبط ساعتها لمشاهدته، وتحوّل إلى محطّ نقاش المجالس المثقفة والبسيطة في ربوع العالم العربي.
في هذا السياق، يحظى حسن أحمديان بسيرة شخصية وازنة، إذ يعمل عضواً في مجموعة «دراسات الشرق الأوسط » التابعة لـ «مركز الدراسات الاستراتيجية» منذ عام 2009، وأستاذاً مساعداً في جامعة طهران منذ عام 2013. كما عمل زميلاً باحثاً في «مركز البحث العلمي والدراسات الاستراتيجية في الشرق الأوسط ».
ويُركّز بصفة أساسية من خلال أبحاثه العلمية وعمله بالتدريس على الاتجاهات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط. علماً أنّه نال درجة الدكتوراه في مجال الدراسات الإقليمية من جامعة طهران، ونشر أكثر من مئة عمل باللغة الفارسية والإنكليزية والعربية. في إحدى الحلقات، لفت أحمديان في معرض ردوده على قراءة أحد المحلّلين بأنّ إيران انهزمت عسكرياً، معتبراً أنّه لا يمكن تدمير قدرات بلاده بأي طريقة لأنّها تنبع من جهود فكرية وعلمية محليّة. ويعدّ أحمديان خير دليل على النموذج الإيراني بالاعتماد الكامل على الموارد البشرية الذاتية.
الذبح بالقطنة
يرتقي أحمديان فوق غيره من الوجوه الإعلامية بفضل أمور عدّة، من بينها المظهر الواثق والمتّزن، واللّغة الجسدية واللّغوية الرصينة، والهدوء الذي يتلبّس كيانه في عزّ هيجان الخصوم، بما يعكس المثل الشعبي المشهور عن الإيرانيّين بـ «الذبح بالقطنة»، أي الفوز بالتحدي ببطء وحيلة شديدين من دون انفعالات عاطفية غير محسوبة.
وتتجلّى هذه البرودة الاستراتيجية في جميع الحلقات المتتالية، رغم كثرة الأخصام ومهما بلغت حدّتهم، إلّا أنّه ينجح في المحافظة على جميع قدراته التحليليّة، من دون إغفال أي نقطة عالقة من الحوار.
أمام تخبّط المحور الآخر في مواجهته، عزت إحدى الناشطات على منصّة «إكس»، وتُدعى مها الحرازي، سرّ الحضور الطاغي لأحمديان، إلى أنّه لا يدخل الحوار كفردٍ عابر ولا يتكلّم من فراغ ولا ينطق من مساحة مرتبكة، بل من بنية فكرية وسياسية مترابطة، ويبدو عندما يحاور كمن يسحب الأفكار من منجمٍ عميق وطبقات متراصّة متماسكة.
بنى حسن أحمديان رصيداً شعبياً مهمّاً من خلال معاركه الإعلاميّة – السياسيّة المتتالية على البرنامج التلفزيوني المحوري في الظروف الحالية. إلّا أنّ انجذاب الجمهور العربي لمتابعة سرديّته السياسية بشكل يومي، يُظهر تعطّشاً شعبياً لمعرفة الوجه الآخر من الصراع الذي تخفيه فضائيات البلاط لعقود.
في هذا الإطار، يصف أحمديان البروباغندا المستعربة بأنّ إيران و«إسرائيل» وجهان لعملة واحدة، بأنّها «كسل عقلي وشلل إدراكي». لذلك، استنفر بعضهم أمام خطر غير مسبوق يدقّ قلب وعقل المشاهد العربي ويفتح أعينه على حقائق تُعرّي حملة إعلامية ضخمة ومركّزة، عملت جاهدةً على تخدير الشعوب فكرياً وثقافياً لسنوات وسنوات.
بهذا نجح أحمديان عبر قوّة المنطق في إعادة الذكاء السياقي للأحداث إلى شرائح عربية متعطّشة لفكر استراتيجي بدل الصراخ العاطفي والشعبوي الذي يسعى إلى تجييش الغرائز وتحييد العقول.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
