بقلم :جمعان العمير
يا أبناء سوريا.يا أبناء هذا التراب الذي شرب دماءكم ودموعكم وصبركم، يا من وقفتم في وجه العاصفة خمسين عامًا وأكثر، ثم واجهتم حربًا مزّقت الحجر قبل أن تمزّق البشر… اليوم أقف أمامكم لأقول إن معركتنا الكبرى لم تنتهِ، بل تغيّر شكلها فقط. نعم، انتهت معركة ردع العدوان وتحرير البلاد في الثامن من كانون الأول، لكن سوريا لم تدخل بعد مرحلة الراحة، بل دخلت مرحلة أصعب، مرحلة تحتاج إلى شجاعة من نوع آخر، شجاعة لا يحملها السلاح بل يحملها العقل، ويحملها الضمير، وتحملها النخبة التي غابت طويلًا أو غُيّبت طويلًا، لكنها اليوم مطالبة بأن تعود، وأن تتقدم الصفوف، وأن تكون هي الجسر الذي يعبر عليه الوطن نحو المستقبل.
يا أبناء سوريالقد عشنا أربعة وخمسين عامًا تحت نظام طاغية مزّق المجتمع، وعمّق الشرخ بين مكوناته، وجعل الأخ يخاف من أخيه، ثم جاء الابن ليكمل ما بدأه الأب، فازدادت البلاد تمزقًا فوق تمزق، وتحوّل الوطن إلى جزر متباعدة، كل جزيرة تخشى الأخرى. واليوم، بعد أن عاد الوطن إلى أبنائه، وبعد أن سقطت الأصنام التي كبّلت البلاد، نقف أمام سؤال أكبر من كل الأسئلة: هل سنعيد بناء سوريا… أم سنعيد إنتاج الخراب؟ هل سنكون أبناء هذه الأرض… أم عبئًا عليها؟ هل سنكون شركاء في النهضة… أم شهودًا على السقوط؟
يا أبناء سورياإن الوطن الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى أصوات عالية، بل إلى عقول عالية. لا يحتاج إلى من يصرخ، بل إلى من يفكر. لا يحتاج إلى من يزايد، بل إلى من يبني. اليوم، جاء دور النخبة، دور المثقفين، دور أصحاب الوعي، دور الذين يعرفون أن الكلمة قد تبني وطنًا كما يهدمه الرصاص. اليوم، جاء دوركم أنتم… أنتم الذين تعرفون قيمة الإنسان قبل قيمة الحجر، وأنتم الذين تدركون أن سوريا لا تُبنى بالشعارات، بل تُبنى بالصدق، بالعمل، بالمسؤولية.
يا أبناء سوريا بعد انتهاء معركة التحرير تبدأ معركة أصعب: معركة ردع الحمقى والجهلة والطائشين الذين يظنون أن الفوضى بطولة، وأن العبث شجاعة، وأن الوطن ساحة لتجريب نزقهم. هؤلاء، وإن لم يكونوا أعداءً بالمعنى التقليدي، إلا أنهم أخطر من العدو أحيانًا، فمنهم من بقي يحمل عقلية الفلول، ومنهم من يعيش كطائش حجره، ومنهم من يظن أن الوطن ملك يعبث به كما يشاء. لكن سوريا اليوم لا تحتمل العبث، ولا تحتمل أن يُهدم ما بُني بدماء الشرفاء، ولا تحتمل أن يُترك مصيرها في يد من لا يعرف قيمة ترابها.
يا أبناء سوريا… هذه البلاد ليست إرثًا لعائلة، ولا غنيمة لفئة، ولا ساحة لتصفية الحسابات. هذه البلاد وطن، والوطن ملك لكل سوري مهما كان انتماؤه أو لونه أو تاريخه. كل حبة تراب فيها أمانة، وكل قطرة دم سالت فيها وصية، وكل فرصة تُمنح فيها مسؤولية. لقد أنهكتنا الحرب وفرّقتنا وشرّدتنا وأوجعتنا، فهل يُعقل بعد كل هذا أن نعود إلى الوطن ونكرر الأخطاء نفسها؟ أن نعيد إنتاج الكراهية؟ أن نسمح للحمقى أن يقرروا مصيرنا؟
يا أبناء سوريا الحرة بكل أطيافها ومكوناتها… يا من دفعتم ثمنًا لا يدفعه إلا شعب يريد الحياة… إن لم تكونوا صادقين مع أنفسكم في مرحلة البناء فلن يصمد شيء، لا الدولة ولا المجتمع ولا حتى أحلامكم الصغيرة. اتركوا الخلق للخالق، واهتموا بما خُلقتم أنتم من أجله: أن تكونوا عونًا لوطنكم، سندًا لدولتكم، شركاء في نهضتها. سوريا اليوم ليست سوريا الأمس، بل سوريا جديدة تُكتب من جديد، وتحتاج إلى كل عقل، كل يد، كل ضمير.
لقد انتهت الحرب الأولى.لكن الحرب الأهم بدأت: حرب الوعي، حرب البناء، حرب استعادة الإنسان. واليوم، نقولها بصوت واحد: لن نسمح للحمقى أن يسرقوا مستقبلنا مرة أخرى، ولن نسمح للجهل أن يحكم مصيرنا، ولن نسمح للفوضى أن تعود. اليوم.يبدأ الوطن من جديد، ويبدأ بكم أنتم، وبوعيكم، وبصدقكم، وبقدرتكم على أن تكونوا أبناء هذه الأرض بحق، لا أبناء اللحظة.
يا أبناء سوريا.انهضوا، فالوطن يناديكم، والمستقبل ينتظركم، والتاريخ يكتب الآن.بأيديكم أنتم.
(موقع اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
