أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة أن سوريا تتطلع إلى دعم المجتمع الدولي لها في التخلص من الإرث الثقيل للأسلحة الكيميائية الذي ورثته من النظام البائد، مؤكداً عزمها الثابت على مواصلة العمل لطي هذه الصفحة نهائياً، وذلك انطلاقاً من التزامها الراسخ بصون وتعزيز نظام عدم الانتشار العالمي، باعتباره ركيزة أساسية للأمن والسلم الإقليمي والدولي.
سوريا تتصدى لإرث الأسلحة الكيميائية من حقبة النظام البائد
وقال السفير علبي في بيان له خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، اليوم، حول الحالة في الشرق الأوسط: “أشكر نائب وكيل الأمين العام لشؤون نزع السلاح آدي إيبو على إحاطته، وعدم وصم اسم سوريا ببرنامج الأسلحة الكيميائية، وتركيزه على أن هذا البرنامج يعود لحقبة نظام الأسد البائد، وأن أي إعلان منقوص كان من تلك الحقبة”.
وأضاف علبي: “احتفلت سوريا في الثامن من كانون الأول الماضي بمرور عام على تحريرها من حقبة نظام الأسد المظلمة التي استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية بشكل واسع ضد المدنيين، وأودُّ أن أقارب الملف الكيميائي اليوم من منظور سياسات سوريا الجديدة التي اتخذناها خلال السنة الماضية، حيث إن جهودنا في هذا الملف منذ زيارة المدير العام قبل عشرة أشهر فقط تقدم مثالاً واقعياً وملموساً عن نهجنا للعام كله، وقد نجحت هذه الجهود في نقل الملف من مرحلة التشكيك والتلاعب إلى مرحلة الشراكة مع المنظمة”.
وتابع علبي: “إن نهج الحكومة السورية في مواجهة إرث حقبة النظام البائد، هو التصدي الشجاع لأي تركة ثقيلة من تلك الحقبة، حيث يعد الملف الكيميائي مثالاً على الملفات الموروثة من هذا النظام، والتي كنا نحن ضحيتها، وتعاملنا معها بكل فاعلية على الرغم من الصعوبات الكبيرة الماثلة أمامنا، ومن أهم هذه الصعوبات سرية البرنامج الكيميائي لحقبة نظام الأسد، والافتقار للذاكرة المؤسسية، وضعف القدرات الوطنية، فضلاً عن مخاطر الألغام ومخلفات الحرب”.
التزام سوريا وتسهيلات لفرق المنظمة
وقال علبي: “إن ما يزيد من تعقيد هذا المشهد هو الدور الهدام الذي لعبته إسرائيل عبر استهدافها لمواقع مشتبه بها، وكل ذلك يجعل مهمة التعامل مع هذا الملف غير اعتيادية، ولكن كنا بمستوى التحدي وتحملنا المسؤولية”.
وأضاف علبي: “إن الحكومة السورية سعت في هذا العام لأن تكون مصدراً للأمن محلياً ودولياً، ومن هنا خاطرنا بحياتنا للتخلص من بقايا الأسلحة الكيميائية حفاظاً على أمن السوريين والسوريات وصوناً لأمن المنطقة، وذلك مع مراعاة أكبر قدر ممكن من معايير السلامة في ضوء الموارد والإمكانات المتاحة، وما قد يطرحه ذلك من مخاطر على حياة الفرق الوطنية”.
وتابع علبي: “عملت الحكومة السورية منذ اللحظة الأولى على تجاوز مرحلة المماطلة والتلاعب التي وسمت المرحلة السابقة فيما يخص تنفيذ الاتفاقيات والالتزامات القانونية الدولية، وحرصت على العودة للوفاء بالتزامها بشكل كامل في تلك الصكوك القانونية، انطلاقاً من احترامها لالتزاماتها الدولية”.
وقال علبي: “وعلى صعيد الملف الكيميائي تجلّى التزام سوريا من خلال تقديم كل التسهيلات اللازمة لفرق الأمانة الفنية للمنظمة، بما شمل إصدار سمات الدخول لجميع أعضاء فرق المنظمة، وتيسير وصولهم إلى الأراضي السورية، ومنح التراخيص اللازمة لعمليات انتشار الفرق الفنية التي بلغت ثماني عمليات انتشار، جرى خلالها زيارة ثلاثة وعشرين موقعاً”.
وأضاف علبي: “كما تم خلال هذه الزيارات منح وصول غير مقيد وتقديم كل الخدمات اللوجستية والأمنية للأمن والسلامة، ونشهد حالياً الانتشار الأطول زمنياً لفرق الأمانة الفنية الذي بدأ اعتباراً من السادس من شهر تشرين الأول الماضي ولا يزال قائماً حتى اليوم، وهو بداية لتأسيس تواجد مديد للمنظمة في سوريا، وبالتوازي مع هذا كله واظبت سوريا الجديدة على تقديم تقاريرها الوطنية الشهرية للمنظمة”.
دعم دولي وتعاون شفاف
وأكد علبي أن سوريا الجديدة تؤمن بالتعاون والشراكة مع المجتمع الدولي وبتعدد الأطراف كسبيل لتجاوز الخلافات ولعلاقات متبادلة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، وقد قامت انطلاقاً من إيمانها هذا بتحقيق نقلة نوعية في تعاونها مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهو الأمر الذي تم عكسه في قرارات المجلس التنفيذي للمنظمة، ولمسناه في تحول مواقف الدول كما سمعنا اليوم”.
وأوضح علبي: “إن هذا الأمر تُوّج مؤخراً باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تنفيذ حظر الأسلحة الكيميائية مطلع شهر كانون الأول الماضي بتأييد واسع من الدول الأعضاء، الأمر الذي شكّل رسالة سياسية لا لبس فيها حول دعم المجتمع الدولي لمسار العلاقة الجديدة بين سوريا والمنظمة”.
ولفت مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إلى أنه في ظل هذا المناخ الإيجابي فتحت سوريا أبوابها بدون تحفظ للتعاون الدولي، وبدأت ثمار عمل الفرق الوطنية بالظهور، حيث عثرت في سياق نشاطها لتحديد المواقع المشتبه بها على موقعين، يوجد فيهما أسطوانات فارغة سبق استخدامها مخصصة للمواد الكيميائية السامة، وتم التواصل الفوري بشأن ذلك مع الأمانة الفنية، وتستمر الفرق الوطنية في عملها لاستكشاف وتحديد مواقع أخرى مشتبه بها للإبلاغ عنها.
وبين علبي أنه في سياق التفاعل الشفاف مع المنظمة تم أيضاً، تزويد الأمانة الفنية بستة آلاف وثيقة ذات صلة بالبرنامج الكيميائي الموروث، وتأمين مقابلات مع أربعة عشر من الشهود، من بينهم أشخاص كانوا يعملون على البرنامج الكيميائي في حقبة الأسد.
ولفت علبي إلى أن سوريا الجديدة وضعت موضوع العدالة الانتقالية في مقدمة أولوياتها، إيماناً منها بضرورة مساءلة المتورطين في الانتهاكات وإنصاف الضحايا وضمان عدم التكرار، باعتبار ذلك ركيزة أساسية لترسيخ السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
تعزيز المؤسسات والحاجة لدعم دولي
وأشار علبي إلى أن سوريا تتعاون في هذا الإطار مع فريق التحقيق وتحديد الهوية، الذي يعمل للمرة الأولى من داخل سوريا ويطلع على الأدلة والوثائق الرسمية حول الهجمات التي ارتكبها نظام الأسد، كما قامت اللجنة الوطنية السورية بعقد اجتماعات مع الضحايا والشهود الذين تضرروا جراء هذه الهجمات الكيميائية التي شنها هذا النظام، وسهلت هذه الفرق تواصل الشهود مع المنظمة للإدلاء بشهادتهم أمامها، كما رعت وزارة الخارجية مؤتمراً لضحايا الأسلحة الكيميائية لأول مرة من دمشق.
وقال علبي: “إن مؤسسات الدولة السورية تعاني من ضعف بنيوي وافتقار للقدرات الفنية والكفاءات الوطنية جراء أربعة عشر عاماً من الحرب، التي سبقتها أيضاً عقود من الديكتاتورية،مما تسبب بعزل سوريا عن العالم، ما يطرح تحدياً كبيراً أمام الحكومة السورية الجديدة، لكنها وعلى الرغم من ذلك تبذل جهوداً حثيثة في تعزيز المؤسسات الوطنية ورفدها بالكوادر المؤهلة”.
وأضاف علبي: “وفي هذا السياق قامت سوريا بإعادة تفعيل عمل بعثتها الدائمة لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من خلال تعيين ممثل دائم لها لدى المنظمة مطلع شهر تشرين الثاني الماضي، بعد أن قامت دولة قطر الشقيقة بدور مشكور في تمثيل سوريا أمام المنظمة”.
وقال علبي: “كما قامت سوريا أيضاً بإعادة تشكيل اللجنة الوطنية للإشراف على التعاون مع المنظمة، وشكلت مجموعة عمل وطنية تضم ممثلين عن عدة وزارات لتيسير عمل فرق الأمانة الفنية للمنظمة ودعم التحقيقات والمساءلة، وهي تعمل بموازاة ذلك كله على وضع خطة لبناء قدرات الفرق الوطنية”.
وأضاف علبي: “وعلى الرغم من أهمية الجهود الوطنية فإن سوريا بعد أربعة عشر عاماً من الحرب والتحديات الموروثة هي بأمس الحاجة لدعم المجتمع الدولي، ولا سيما في مجالي التدمير في الموقع وإزالة الألغام ومخلفات الحرب”.
وبين علبي: “إن التعامل العاجل والفعال مع التحديات القائمة يبقى قاصراً دون توفر الدعم الدولي الجاد في المجالين المادي والتقني، وفي مجالات المساءلة وملاحقة المجرمين وبناء القدرات”.
وختم مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة بيانه بالقول: “إن سوريا إذ تتطلع لدعم المجتمع الدولي لها في التخلص من هذا الإرث الثقيل، تجدد تأكيد عزمها على مواصلة العمل لطي هذه الصفحة، انطلاقاً من إيمانها العميق بأنه لا مكان للأسلحة الكيميائية في العالم اليوم، ومن التزامها الراسخ بصون وتعزيز نظام عدم الانتشار العالمي؛ باعتباره ركيزة أساسية للأمن والسلم الإقليميين والدوليين”.
اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
