نهلة أبو تك:
بينما تتحول السياحة الشتوية في العديد من دول العالم إلى صناعة قائمة بذاتها، لا يزال الشتاء في الساحل السوري يمرّ كفترة هدوء اقتصادي، رغم ما تمتلكه المنطقة من مقومات طبيعية وحضارية قادرة على إحداث فرق حقيقي في دعم الاقتصاد الوطني وتنشيط المجتمعات المحلية.
وتكمن المفارقة في أن التحدي لا يرتبط بندرة الموارد، بقدر ما يرتبط بغياب رؤية تنظيمية تعزز مفهوم السياحة بوصفها قطاعاً اقتصادياً يعمل على مدار العام، لا نشاطاً موسمياً يُدار بمنطق الانتظار.
واقع سياحي موسمي
يتركّز النشاط السياحي في الساحل السوري بشكل رئيسي خلال أشهر الصيف، في حين يبقى الموسم الشتوي محدود الحضور من حيث البرامج والفعاليات والمشاريع المخصصة له.
وتعمل العديد من المنشآت السياحية خلال الشتاء بطاقة تشغيلية منخفضة، بانتظار عودة الزخم الصيفي، ما يحدّ من الاستفادة الاقتصادية الكاملة من الاستثمارات القائمة، ويؤثر سلباً على فرص التشغيل والاستمرارية.
هذا الواقع يفتح المجال أمام مقاربات تطويرية تنظر إلى الشتاء بوصفه فرصة قابلة للتنشيط ضمن خطط تدريجية، لا فترة ركود حتمية.
رؤية اقتصادية
في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور حيدر يونس أن «السياحة ليست صيفًا فقط، بل قطاع اقتصادي قادر على العمل طوال العام إذا ما توفرت له الإدارة والتخطيط المناسبان».
ويوضح يونس أن حصر النشاط السياحي في موسم واحد يحدّ من كفاءة الاستثمارات السياحية، ويقلّص فرص التشغيل المستدام، مشيراً إلى أن تنويع المواسم، ولا سيما تفعيل السياحة الشتوية، يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي أكبر للقطاع، ويدعم المجتمعات المحلية المرتبطة به.
خبير اقتصادي: السياحة قطاع قادر على العمل طوال العام إذا ما توفرت الإدارة والتخطيط المناسبان
الجبال والثلوج… مقومات طبيعية تحتاج إلى تنظيم
يشير الخبير الاقتصادي إلى أن الجبال القريبة من الساحل السوري، والمناطق التي تتوشح بالثلوج شتاءً، تشكّل عنصر جذب طبيعياً ومهماً، لا يتطلب حلولاً معقدة بقدر ما يحتاج إلى تنظيم واستثمار مدروسين.
ويوضح في تصريح لـ”الحرية” أن هذه المناطق قادرة على احتضان أنماط متعددة من السياحة الشتوية، مثل سياحة الطبيعة والاستجمام والأنشطة الجبلية والفعاليات الموسمية، في حال إدراجها ضمن برامج واضحة مدعومة ببنية خدمية مناسبة.
الإرث الحضاري… رافد سياحي داعم
إلى جانب الطبيعة، تمتلك سوريا إرثاً حضارياً غنياً يمكن أن يشكّل رافداً أساسياً لتنشيط السياحة الشتوية.
من أزقة دمشق القديمة، إلى صيدنايا وكنائسها وأديرتها، مروراً بمعالم حماة وحمص، تتوافر مواقع قادرة على تقديم تجربة سياحية شتوية تجمع بين البعد الثقافي والديني والطبيعي.
ويرى الدكتور حيدر يونس أن دمج هذه المواقع ضمن برامج سياحية شتوية منظّمة يعزز القيمة الاقتصادية للقطاع، ويمنح الزائر تجربة متكاملة، أسوة بتجارب دول اعتمدت التراث الثقافي كعنصر أساسي في تنويع مواسمها السياحية.
خسائر موسمية غير مباشرة
يشير يونس إلى أن استمرار الاعتماد على موسم سياحي واحد يترتب عليه جملة من النتائج، أبرزها: انخفاض معدلات تشغيل المنشآت السياحية خلال الشتاء، وتراجع فرص العمل الموسمية والدائمة، ومحدودية الدخل لدى المجتمعات المحلية، وانخفاض الجدوى الاقتصادية للاستثمارات السياحية.
وهي نتائج تؤكد الحاجة إلى معالجة هذا الواقع ضمن مقاربة تطويرية متدرجة، تراعي خصوصية المرحلة وإمكاناتها.
نموذج تشاركي لتعزيز السياحة الشتوية
ويرى الخبير الاقتصادي أن تنشيط السياحة الشتوية لا ينبغي أن يقتصر على الشركات القابضة الكبرى، بل يمكن أن يقوم على نموذج تشاركي يدمج الجهات الحكومية المعنية، ولا سيما السياحة والنقل والمستثمرين، المبادرات الفردية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، المجتمعات المحلية.
مؤكداً أن هذا النموذج يسهم في توسيع قاعدة الاستفادة الاقتصادية، وتحقيق تكامل بين الاستثمار والتشغيل والخدمات، بما ينعكس إيجاباً على التنمية المحلية.
خطوات للتنفيذ
ويختم الدكتور حيدر يونس بالتأكيد على أهمية إدراج السياحة الشتوية ضمن الخطط السياحية الرسمية، و دعم المبادرات المحلية والفعاليات الموسمية عبر تسهيلات استثمارية تدريجية، وتعزيز التنسيق بين السياحة والنقل وسائر المؤسسات الحكومية مع القطاع الخاص، بما يسهم في تحويل الموسم الشتوي إلى فرصة اقتصادية داعمة، ضمن رؤية متوازنة وقابلة للتطبيق.
الشتاء… فرصة وطنية مؤجلة
السياحة الشتوية في الساحل السوري ليست رفاهية، بل فرصة وطنية يمكن البناء عليها لتعزيز النشاط الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، وكل شتاء يمرّ دون خطة واضحة هو فرصة مؤجلة، يمكن استعادتها بالإدارة والتنظيم والاستثمار المدروس.
syriahomenews أخبار سورية الوطن
