م.حسان نديم حسن
شهدت سوريا خلال السنوات المئة الأخيرة تحولات كبرى رسمت مسارها السياسي والاجتماعي والاقتصادي و شكلت معالم هويتها وسط عواصف السياسة وتقلبات الاقتصاد وصراعات الأيديولوجيا.
منذ أن ارتفعت راية الاستقلال عام 1946 كان على هذه الأرض أن تخوض امتحان السيادة في ظل تركة استعمارية ثقيلة وأطماع متجددة. غير أن الاستقلال لم يكن خاتمة النضال بل بداية معركة أخرى ضد الانقلابات العسكرية التي ظلت تتناسل كدوامة لا تهدأ فتاهت الدولة في دوامة الصراعات وضاعت الأحلام تحت بنادق العسكر المتنافسين على السلطة وتحول الحكم إلى ساحة مغلقة لا يتغير فيها سوى الوجوه . بينما بقيت إشكالات التنمية والتحديث في الظل كأن البلاد تدور في مدارها المغلق دون أن تجد مخرجاً نحو الاستقرار.
وحين لاحت بارقة أمل في الأفق في تجربة الوحدة مع مصر عام 1958 لم يكن الحلم كافياً ليجعل من الاندماج كياناً متيناً إذ افتقر البناء الوحدوي إلى دعائم مؤسساتية قادرة على تحمل أعباء التفاوت بين الأنظمة السياسية والإدارية فانفرط العقد سريعاً عام 1961 مخلفاً وراءه درساً قاسياً مفاده أن المشاريع الكبرى لا تقوم على العواطف وحدها بل تحتاج إلى هندسة دقيقة قادرة على التوفيق بين الأنظمة المختلفة.
وفي ساحات الاقتصاد تأرجحت السياسات بين طرفي نقيض ، فالتأميم الواسع الذي أحال المبادرة الفردية إلى قيود بيروقراطية والانفتاح غير المنضبط الذي صنع فجوات اجتماعية واسعة فكأن البلاد تنتقل من قيود صارمة إلى فوضى السوق دون أن تعثر على التوازن المنشود. لقد كانت هذه التجربة برهاناً على أن التنمية لا تولد من القرارات الارتجالية بل من رؤية متكاملة تراعي عدالة التوزيع من دون أن تقتل روح الإنتاج والابتكار.
أما على رقعة السياسة الخارجية فقد وجدت سوريا نفسها في قلب العواصف الإقليمية وبين صراع النفوذ الدولي والتجاذبات الداخلية فكان لوقع البنادق أن سرق الموارد وأثقل كاهل الدولة بصراعات لا تنتهي.
لم يكن الاشتباك الإقليمي مجرد مواقف سياسية بل كان نزيفاً مستمراً قوض التنمية وأخر الكثير من مسارات البناء الداخلي مما أظهر أن الاستقرار لا يتحقق بمراكمة الصراعات بل ببناء دولة متماسكة من الداخل قادرة على فرض شروطها لا أن تكون رهينة المعادلات الخارجية.
ومع نهاية القرن العشرين بدت الحاجة ملحة لإعادة النظر في هيكل الدولة السورية لكن تلك اللحظة تأخرت عن موعدها فظلت الأزمات تتراكم دون أن تجد لها حلولاً جذرية. فكان هذا تأكيداً على أن الإصلاح ليس رفاهية سياسية بل ضرورة وجودية تبنى بها الدول قبل أن تستنزفها الأزمات.
وفي خلفية هذا المشهد كانت الأيديولوجيات المتصارعة ترسم خطوط التماس بين التيارات المختلفة وكأن البلاد قد تحولت إلى ساحة صراع بين الأفكار قبل أن تكون ساحة للبناء. لم يكن التمايز الفكري مجرد جدل نظري بل كان بوابة شرخ في النسيج الوطني حيث أضعفت الاستقطابات فرص التوافق وعمّقت من حالة التوتر الدائم في حين كان يمكن للتعددية أن تتحول إلى مصدر قوة لو أنها أُديرت ضمن إطار يحترم التنوع ولا يسقط في فخ الإقصاء.
وسط كل هذه التعقيدات برزت حقيقة لا لبس فيها ، الدول لا تستمر بالأفراد أو الأيديولوجيات بل بالمؤسسات. فقد أثبتت العقود المتلاحقة أن الأنظمة التي تبقى رهينة للأشخاص أو التوجهات المتقلبة سرعان ما تجد نفسها في مهب العواصف.
وحدها المؤسسات القوية بقوانينها الراسخة وإدارتها الفعالة هي القادرة على ضمان استمرارية الدولة مهما تغيرت الظروف وهي التي تصنع الفارق بين الدول التي تتقدم بثبات وتلك التي تتعثر تحت وطأة التحولات المفاجئة.
لقد كان القرن المنصرم امتحاناً عسيراً لسوريا لكنه لم يكن مجرد زمن مضى بل كان مرآة تعكس دروساً لا تزال ماثلةً أمامنا تذكرنا بأن الدول تبنى بالعقل قبل العاطفة وبالرؤية قبل الشعارات وبالعمل المؤسسي قبل المغامرات السياسية.
(موقع اخبار سوريا الوطن-2)