آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » سوريا في مرآة بشير البكر… رحلة إلى الزمن الضائع

سوريا في مرآة بشير البكر… رحلة إلى الزمن الضائع

 

رولا عبدالله

 

لم يعد المكان، بعد الغياب الطويل، هو المكان نفسه. ولا الذاكرة، مهما ادّعت الأمانة، قادرة على أن تعيد الأشياء إلى مواضعها الأولى. في كتاب “سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع” (هاشيت أنطوان/ نوفل)، لا يعود الكاتب السوري بشير البكر إلى دمشق بوصفه ابن المدينة العارف بأزقّتها، بل بوصفه شاهداً متأخراً على زمنٍ أفلت، ومدينةٍ سبقت عائدها بخطوات كثيرة. خمسة وأربعون عاماً من المنفى جعلت الذاكرة تظنّ أنّها تحفظ الأمكنة بدقّة، قبل أن تكتشف، عند أول احتكاك بالشارع، أنّ الذاكرة تخون، وأنّ العودة لا تطول كما يتمنّاها أصحابها.

 

 

 

 

 

هذا الكتاب ليس نشيد حنينٍ صافٍ، ولا احتفالا سهلا بالعودة بعد سقوط النظام، بل كتابة في المسافة الفاصلة بين ما كان وما صار. يمشي الراوي في الصالحيّة والشيخ محيي الدين، ويستعيد العمارة التي سكنها شاباً وجوار جامعة دمشق، كما لو أنّه يستدعي مدينة محفوظة في داخله، ليصطدم بواقعٍ آخر: علامات مُحيت، بيوتٌ تغيّرت، ووجوهٌ لم تعد في أماكنها. المدينة تعرفه، ولا تتعرّف إليه.

 

 

 

 

 

 

 

منذ الصفحات الأولى، يضع البكر قارئه أمام امتحان الذاكرة. يصل إلى مطار دمشق بعد نحو سبعين يوماً على سقوط الحكم، ويتوقّف لبرهة يتفحّص وجوه المستقبلين: صمتٌ كثيف، ملامح شاحبة، ووداعة مشوبة بندوب زمنٍ أسود. لا بهجة صاخبة، بل ما يشبه وداعاً طويلاً لمرحلة لا تزال آثارها عالقة في الوجوه. هكذا يبدأ الكتاب: بوعيٍ حادّ بأنّ العودة ليست قطيعة مع الماضي، بل مواجهة معه.

 

 

 

في تجواله، يبحث الكاتب عن صداقاته القديمة، ليكتشف أنّ الفقدان صار قاعدة: بعضهم مات، بعضهم هاجر، وأحدهم فقد النطق. لا يستثمر هذه الوقائع بوصفها مادّة عاطفية، بل يحوّلها إلى سؤال أخلاقي حول معنى البقاء ومعنى الغياب. يذهب بعيداً في نقد الذات، حين يكتب بوضوح أنّ “الثائر الحقيقي هو من بقي وناضل في الداخل”، حيث كان ثمن الكلمة يعادل قطع الرأس. بهذا الاعتراف، ينجو النص من تمجيد المنفى، ويضعه في موقعه الطبيعي: موقع الشهادة المؤلمة، لا البطولة المكتملة.

 

 

 

 

 

 

 

يحتلّ مقهى الروضة مكانة رمزية في الكتاب. لم يعد المقهى كما كان، بل صار ملتقى للعائدين بعد السقوط، مساحة اعترافٍ جماعيّ، يتقاطع فيها الماضي بالحاضر. هناك، يستحضر البكر أسماءً في الثقافة والشعر والفنّ والنضال، لا بوصفها لائحة وفاء، بل كعلامات على زمنٍ كان، وعلى خسارةٍ ثقافية طويلة راكمها القمع. دمشق، في هذا السرد، مدينة أُنهكت، لا فقط بالحرب، بل بتآكل روحها الثقافية، وبالهبوط التدريجي الذي أصاب الإبداع منذ السبعينيات.

 

 

 

لا يكتفي الكتاب بسرد الذاكرة الشخصية، بل يوسّع عدسته ليرصد أحوال المقيمين والعائدين، المثقفين، النساء، العمران، والذوق العام. نقده للعمران قاس وهادئ في آن: مدينة كان يمكن أن تكون واحدة من أجمل عواصم العالم العربي لو حُميت عمارتها وذاكرتها، تُركت فريسة الإهمال والتشوّه. ومع ذلك، لا يقع الكاتب في فخّ الرثاء النهائي. فهو، وإن كان غير آسفٍ على سقوط النظام السابق، ينظر إلى سوريا الجديدة بعين مَن يعرف سنن البلدان: التعافي يحتاج وقتاً، ولا يولد من الركام فوراً.

 

 

 

 

 

اللافت في “سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع” هو لغته. فصولٌ تستهلّ بمطالع شعرية، وسردٌ شفيف يوازن بين الحنين ولوعته، وبين عينٍ نقدية لا تجامل. لا يتعامل البكر مع الذاكرة بوصفها مستودعاً ثابتاً، بل ككائنٍ متقلّب، يشيخ، ويتصرّف بمزاجية، ويترك صاحبه عائماً بين تفاصيل تتشبّث بالحواس وأخرى تتبخّر. حين يعجز عن تحديد بيتٍ في شارع العابد، لا يبرّر العجز، بل يجعله دلالة: الزمن مسح العلامات، والمدينة لم تتوقّف لتنتظر أبناءها.

 

بهذا المعنى، يكمل الكتاب ما بدأه البكر في سيرته الروائية “بلاد لا تشبه الأحلام”، لكنّه يبدو هنا أكثر التصاقاً بالراهن، وأقل ميلاً إلى الطمأنينة السردية. الوطن، في هذا النص، ليس صورة محفوظة، بل زمن متحرّك. ومن لا يقبل تغيّره، يخسر فرصة اللقاء الحقيقي معه.

 

 

 

في الخلاصة، لا يعد هذا الكتاب بالخلاص، ولا يقدّم وصفة للشفاء. إنّه شهادة صادقة على عودةٍ ناقصة، وعلى ذاكرةٍ انتصرت جزئياً وخذلت صاحبها في آن. كتابة تعرف أنّ الذاكرة تخون، ومع ذلك تُصرّ على الكتابة. لأنّ الكتابة هنا، وربما وحدها، هي الطريقة الوحيدة كي لا تطول الغربة أكثر.

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شكران مرتجى تكشف عن «ديبة» في «اليتيم»

    تخوض النجمة السورية شكران مرتجى الموسم الدرامي الرمضاني المقبل من خلال مسلسلي «عيلة الملك» (ورشة كتابة بإشراف محمد عبدالعزيز، بمشاركة شادي كيوان، معن ...