أنس جودة
لا تدخل سوريا عام 2026 على وقع حرب إقليمية شاملة، ولا على مسار بناء دولة مكتمل. ما يهيمن على المشهد هو فراغٌ متسع: فراغ دولة، لا فراغ سلطة فحسب. الأخطر في هذا الفراغ أنه لا يبقى محايداً، بل يتحول إلى مساحة قابلة للاختراق، لأن المجتمعات التي تعيش داخله لا تبحث أولاً عن السيادة، بل عن الأمان.
التدخلات الإقليمية لا تأتي إلى سوريا لأنها قوية فقط، بل لأنها تجد مجتمعات قلقة، مجروحة، وتعيش في هشاشة معيشية متصاعدة. الخطر الوجودي—وهو في كثير من الحالات حقيقي لا متوهَّم—يصبح البوابة الأوسع لملء الفراغ حين لا يُدار سياسياً. القلق الذي يُفترض أن يُعالَج عبر الدولة، يتحول إلى مورد يُستثمر خارجها. والانهيار الاقتصادي، من بطالة وفقر مدقع، لا يكتفي بتعميق الأزمة، بل يحوّل الهواجس الأمنية إلى حاجة يومية ملحّة للحماية بأي ثمن.
إسرائيل تتحرك في هذا السياق بدقة محسوبة. هي لا تخاطب الدولة السورية، بل المخاوف المحلية: أقليات تخشى التهميش، ومناطق تشعر أنها خارج الحسابات. التدخل هنا لا يُقدَّم كهيمنة، بل كطمأنة مؤقتة. غير أن هذه الطمأنة، مهما بدت مغرية، ليست بديلاً عن الدولة؛ فهي انتقائية، مشروطة، وقابلة للسحب في أي لحظة.
تركيا، من جهتها، تستثمر في هواجس مختلفة: القلق من الفوضى، من كيانات معادية، ومن تحولات أمنية غير مضبوطة. هي لا تريد انهياراً كاملاً، لكنها أيضاً لا تريد دولة مكتملة الاستقلال. لذلك تُبقي مستوى التهديد قائماً بما يسمح لها بتبرير حضورها المستمر، وتقديمه بوصفه ضرورة لا خياراً.
أما الدور العربي، فيقف في منطقة رمادية أكثر تعقيداً. بعض الدول العربية ترى في هواجس المجتمعات المحلية مدخلاً للاحتواء والتهدئة، لكنها تتعامل معها كملف أمني أو دبلوماسي، لا كمدخل لإعادة بناء الدولة. ويزيد التنافس بين دول الخليج وتركيا على النفوذ من تجزئة المشهد، حيث يصبح كل طرف راعياً لقلق محدد في منطقة محددة، دون أفق وطني جامع. فيغيب المشروع الكبير، ويحلّ مكانه حضور انتقائي لا يبدّد اللايقين، بل يجمّده.
في الداخل، لا تُدار الهواجس بفعل الخارج فحسب، بل أيضاً بفشل النخب المحلية في تقديم أفق وطني جامع. حين تعجز النخب السياسية والمدنية عن إنتاج خطاب دولة، يصبح الخوف لغة السياسة الوحيدة، وتتحول المجتمعات من حوامل مواطنة إلى جماعات تبحث عن حماية.
المشكلة أن القلق الوجودي، حين يُدار بلا سياسة، لا يبني دولة، بل يبني ولاءات مؤقتة. وكل فاعل خارجي يستفيد من هذه الهشاشة يكرّسها، لا ليحمي المجتمعات، بل ليؤمّن نفوذه. وهكذا يتحول الفراغ من مرحلة انتقالية إلى حالة دائمة.
عام 2026 لن يكون عام الانفجار الإقليمي الكبير، بل عام الانفجارات المحلية المتعددة، في ظل صراع نفوذ لا يسعى إلى الحسم بقدر ما يسعى إلى إدارة التوتر: انفجارات متقطعة، قابلة للاحتواء، لكنها شديدة الاستنزاف للمجتمع والدولة معاً. إما أن يُملأ الفراغ بمشروع دولة يبدّد الهواجس عبر العدالة والمواطنة، أو يُملأ بالخوف المُدار، حيث تتقاسم القوى الإقليمية طمأنة المجتمعات مقابل نفوذ طويل الأمد.
القضية الأساسية ليست التدخل بحد ذاته، بل الفراغ الذي يجعله ممكناً. فالفراغ، حين يقترن بالهشاشة، يصبح أخطر من الحرب. ومن لا يملؤه بمشروع جامع، سيملؤه الآخرون… بنفوذهم.
يقول:كاسبار ديفيد فريدريش
“حين يضيع المعنى، لا يبقى سوى الفراغ”
سوريا لك السلام
(اخبار سوريا الوطن 1-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
