بول مخلوف
بعد عقدين من الرفض، وافق سيمور هيرش على كشف مسيرته في وثائقي Cover Up المطروح على نتفليكس. صحافي عرّى الجرائم الأميركية من فيتنام إلى العراق، وتمسّك بالكتمان بوصفه أخلاقيات مهنة. فيلم عن الصحافة كصدام دائم مع السلطة، وعن الحقيقة حين تُكتب ضد الرواية الرسمية
قبل عشرين عاماً، سعت المخرجة الأميركية لورا بويتراس إلى إقناع الصحافي الاستقصائي سيمور هيرش بإنجاز وثائقي يطاول سيرته الذاتية، ويستعيد تجربته الصحافية الباذخة. الرجل الذي فضح أميركا في الصحف، وعرّى في تحقيقاته الصحافية الرّوع الأميركي الممارس في الداخل، والفظائع الأميركية المرتكبة في الخارج، هو بلا شكّ، هدفٌ مغرٍ لمنتجي الأفلام الوثائقية.
غير أنّ هيرش رفض العرض آنذاك، زاعماً أنه لم يكن مستعداً. اعترافٌ جاء بعد عقدين، إذ عاد الصحافي الأميركي السليط ووافق على الظهور في وثائقي يحكي عن تجربته الصحافية اللامعة والطويلة، وعلى الأرجح بشروطٍ صارمة، في طليعتها عدم «المس بمصادره».
التعاون بين المخرجة لورا بويتراس والمنتج مارك أوبينهاوس (شريك هيرش في ثلاثة أفلامٍ وثائقية) أفضى إلى تحقيق رغبة بويتراس الملحّة في إنتاج وثائقي عن سيمور هيرش، حمل عنواناً يختزل ما كرّس حياته في ملاحقته وكشفه: «Cover up» أو «التستر».
صيّاد المصادر
يجلس سيمور هيرش البالغ 88 عاماً وراء مكتبه المكتظ بكمٍّ من الملفات والأوراق كحكواتيٍّ مخضرم، فخور بمغامراته الشيّقة التي يستعيدها ويرويها لنا بشغفٍ لا يخبو. كيف يمكن لصحافيّ استقصائيّ هزّ أميركا بقصصه الصحافية وكشف المستور، أن يتبنّى التستر حين يتعلق الأمر بمصادره؟ كيف تمتحن صدقيته، وأين إن لم يكن في وثائقيّ مخصّص عنه؟
في Cover up، يذهب هيرش إلى أقصى ما يسمح به لنفسه. يفتح لبويتراس وأوبينهاوس جزءاً من عالمه المغلق، يضع بين يديهما بعض دفاتر ملاحظاته التي تحوي على القليل من أسماء مصادره. معظم الأسماء المكشوف عنها ماتت ولم تعد على قيد الحياة، إلا أنّ رفع الحجاب عنها يُعد، في ميزانه، كشفاً عن أسرار فائقة السرية.
أمران مهمان يخبر عنهما: لن يكشف عن مصادره الحيّة لأنه، وهنا يشدد، يرفض تعريضها للخطر. الأمر الثاني فهو ندرة ثقته بالآخرين. «أنا أثق بكم، وإلا لن أكون معكم»، يقول.
سيمور هيرش عقلاني بارد في تعاطيه مع عمله. لا جلسة دافئة «مصوَّرة» مع الأصدقاء، ولا إعجاب معلناً به يدفعانه إلى خيانة مبدئه. كثيرون ممّن كانوا يكرهونه كانوا يمدّونه بالمعلومات ويزوّدونه بالتسريبات. الثقة عنده هي أولوية قصوى، والثقة تشترط تكتماً وهذا شرطٌ جوهريٌّ في الصحافة. ومن هذا المنطلق، ينبع حرصه الشديد على الكتمان، وهو أقرب إلى حماية لمصادره.
يضيء Cover up على سمات هذا الصحافي الذي كان يفضّل الدخول إلى صالة الضباط والتحدث معهم عن أمور بديهية، مثل كرة القدم، ليستخلص منهم معلومة، أو تلميحاً أو إشارة تقوده إليها، بدلاً من تناول الطعام في الكافتيريا مع زملائه. لم يكن هيرش من أولئك الذين بنوا شبكة واسعة من العلاقات بقدر ما كان يعلم كيف تؤتى المعلومة ومن أين تُستقى. والأهم كان بارعاً في كتابة قصّة مزلزلة قوامها هذه المعلومة.
سمع في إحدى المرات، عن مجزرة ارتكبها الجيش الأميركي بحق الفيتناميين أثناء حربهم على فيتنام، فقرر تقصي هذا «الخبر» وكتابة تحقيق استقصائي في حال ثبتت صحته. سافر إلى واشنطن، انتظر خروج الضباط من قاعة الاجتماعات.
وحين لمح أحدهم، مشى بجانبه في الرواق وتبادل معه أطراف الحديث، سأله: «تبدو مصاباً في قدمك، هل أصبت برصاص ذاك الشاب الذي أطلق النار في فيتنام؟» فرد عليه: «من تقصد، كالي؟». كان هذا الاسم، كالي، كافياً لسيمور هيرش كي ينفذ منه ويبدأ حربه على أميركا.
الجحيم الأميركي من ماي لاي إلى سجن أبو غريب
خلال حرب فيتنام، تلقى الضابط الأميركي ويليام كالي أمراً عسكرياً من الجنرال الذي يرأسه يقضي بتصفية المئات من الفيتناميين الأبرياء. ولج هيرش عمق هذه الحادثة. كتب القصة الكاملة التي لم تعترف بها أميركا إنّما تسترت عليها وراوغت في حقيقة ما حدث. فقد وُصِم كالي وقتها بالجنون، واتُّهم بالإخلال بالسلوك العسكري، وقدمت فعلته على أنها حدث فردي.
حوكم كالي ثم أُفرج عنه بعد أربعة أشهر. ما فعله هيرش كان كشفه لحقيقة أن كالي، شأنه شأن كثيرين غيره، نفذوا الأوامر التي طُلبت منهم. أماط هيرش اللثام عن عقيدة الحرب الأميركية التي اقتضت قتل أكبر عدد من الفيتناميين باعتبار أنّ حصد الأرواح طريق للنصر؛ وأفرج عن حقيقةٍ حجزتها مرويّات الحكومة وأبواقها، تقول إن قتل الأطفال الرضّع والأبرياء لم يكن «خطأ فردياً» أو «خللاً سلوكياً» بل جزءاً من انتصارات «العالم الجديد الشجاع».
بالاستعانة بمشاهد أرشيفية، وصور، ووثائق مثل خرائط تدلّ إلى أماكن المقابر الجماعية، يتتبع Cover up أثر المجازر المروّعة في فيتنام. ونستحضر من جديد تحقيقات هيرش المفصلية التي عرّت وحشية أميركا. لم تكن المذبحة التي ارتكبها ويليام كالي أول اصطدام لهيرش مع المؤسسة العسكرية. سبق له أن كشف فضيحة تسرّب الغاز السام الذي أحدثها الجيش الأميركي عن طريق الخطأ في محافظة «داغواي» وتستّر المؤسسة العسكرية عليها.
لكن بالنظر إلى حرب فيتنام التي كانت في جوهرها حرباً نازية الطابع وبطلتها أميركا، استمر هيرش لسنوات في اقتفاء أثر هذه النازية الأميركية، كاشفاً فظائع أبطالها العسكريين من ضباط وجنود. هذا العناد الأخلاقيّ، والموقف السياسي المتحيّز لكن برصانة مهنية عتيدة، والمثابرة على ملاحقة الإجرام الأميركي، ستدفع سيمور هيرش إلى تأدية الدور نفسه الذي لعبه في فيتنام مع حرب العراق الثانية.
هذا الصحافي الخطير الذي نسمع ريتشارد نيكسون يشكو منه لكيسنجر في مكالمة هاتفية، وأزعج آيزنهاور إلى حد محاولة ضغطه على صحيفة «نيويورك تايمز» أثناء عمل هيرش فيها، كان من الأوائل الذين فضحوا سجن أبو غريب، ليس في الكلمة المكتوبة فقط، بل في الصورة المنشورة المرفقة مع المقال.
في العراق، بلغ عمل سيمور هيرش ذروة أخرى من الصدام مع السلطة. تعامل مع حرب العراق باعتبارها فصلاً جديداً في عقيدة عسكرية قديمة تقوم على إنتاج العنف نفسه الذي أنتجته، ولكن بأدوات مختلفة. واصل هيرش رفع الحجاب عما اعتُبر سرياً، واستمر في فضح المراوغة والكذب اللذين تمارسهما الحكومة الأميركية والإعلام الناطق باسمها، كاشفاً عما كان يُراد أن يبقى طي الكتمان، ومعرّياً «الحقائق» (المزاعم) الزائفة.
تعامل هيرش مع الحرب على العراق بوصفها قضية تعذيب وانتهاك إنساني ممأسس. حربٌ قامت على الإذلال والتعذيب. فالصور التي رافقت تحقيقاته كانت صدمة بصرية ودليلاً لا يمكن دحضه. هكذا، أعاد هيرش تأكيد ما آمن به منذ اليوم الأول: الجريمة ليست استثناءً في الحروب الأميركية إنّما نتيجة مباشرة لقرارات تُتخذ في الظل وتُنفَّذ في الظل، وكل ما يُقدّم للعلن ليس سوى تمويه متقن.
مدرسة صحافية
منذ البدء، يستهل الوثائقي بقولٍ لهيرش: «هناك تاريخ لأميركا تصعب الكتابة عنه». جملة تختزل مساره الطويل بأكمله. كتب هيرش ما الصعب في التاريخ، والصعب هنا هو المظلم، والوحشيّ، والهمجيّ المريع. كتب هذا «الصعب»: تاريخ الإبادة الفيتنامية، تاريخ إعدامات بينوشيه في تشيلي، تاريخ عمل وكالة الاستخبارات الأميركية في مراقبة الطلاب في حرم الجامعة خوفاً من الشيوعية وتاريخها في مشاريع كالـ«إم كاي ألترا» التي تقتضي التحكم الذهني بالبشر، تاريخ الوحشية في العراق وغيرها الكثير. كتب التاريخ الأسود وتاريخ الدم.
كان سيمور هيرش يُسائل الصحافة من داخلها، وهو أحد صُنّاعها وممارسيها، ساعياً إلى دفعها نحو حدود أبعد تتعلّق بالحريّات وكسر الرقابة.
يقدّم Cover Up سيرة صحافي كان يتخلّى عن كلّ شيء بين يديه في سبيل ملاحقة تسريبٍ إن وجده: صحافيٌّ محب للحقيقة قاتل بلاداً لوحده غير آبهٍ لأثمانٍ ربما سيتوجب عليه دفعها لاحقاً. يضع Cover Up أمامنا مساراً شاقاً لصحافةٍ اختارت أن تكون في موقع العداء الدائم مع الرواية الرسمية، فإذ بالصحافي الاستقصائي شاهد مزعج يرفض طمس الحقائق والرؤية الزائغة، ومعناه أنه يرفض التضليل والخداع والتستر، وهي جميعها سمات ملازمة لأميركا.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
