يحيى دبوق
يبرز نموذج دونالد ترامب الذي يجمع بين السلطة والغرور واستغلال الموقع لتحقيق مكاسب شخصية، كواحد من العوامل الرئيسة التي تؤثر بوضوح في مسار الحرب على إيران، سواء في ما يتعلّق بقرار شنّها أو استمرارها ومن ثمّ البحث في نتائجها لاحقاً. ومع مرور شهر على بدء الحرب، فشلت خلاله الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها كما كان مخطّطاً لها ابتداءً، يبدو أن جهد ترامب الحالي يتركّز على البحث عن سردية انتصار قابلة للتسويق داخلياً وخارجياً.
غير أنه في انتظار تشكّل هذه السردية، لا تبدو الخيارات المتاحة أمام الإدارة الأميركية لتعويض فشل تحقيق الأهداف المعلَنة، أو فبركة صورة الانتصار المنشودة أميركياً، سهلة المنال. ولعلّ ممّا يعكس مأزق صاحب القرار الأميركي، التوجّهات المتناقضة التي تُبرز حالاً من الإرباك الاستراتيجي داخل الإدارة؛ إذ بينما تتحدث تقارير وسائل إعلام أميركية، بينها صحيفة «واشنطن بوست»، عن استعداد «البنتاغون» لعمليات برية «قد تستمرّ لأسابيع»، وتتضمن الاستيلاء على «جزيرة خارك» النفطية التي تتحكم بـ«مضيق هرمز»، يروّج نائب الرئيس، جي دي فانس، في الوقت نفسه، لرواية النصر، بإعلانه أن «جميع الأهداف العسكرية تحقّقت»، وأن الحرب ستنتهي قريباً. وفي حين ينفي ترامب حتمية نشر قوات برية، تؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض أن «باب الجحيم سيُفتح».
وفي ضوء ذلك، تتصاعد التساؤلات عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقْدم على التورّط في حرب برية أم أنها ستنسحب من الحرب بعد أن تعلن «النصر». الواقع أن كلا الخيارَين مرّ، ويبدوان مشبعَين بالتحدّيات والمخاطر؛ فخيار التصعيد البري الذي يروّج له «البنتاغون» من شأنه أن يعرّض القوات الأميركية للخطر، ويورّطها في مستنقع الحروب الطويلة التي تواجه بالفعل معارضة شعبية كبرى؛ كما ينطوي على حال من عدم اليقين إزاء نتائجه، كونه قد يؤدي إلى نقيض ما يهدف إليه، وينتهي بنتائج أسوأ بكثير مما سُجّل في الحالتَين الأفغانية والعراقية. أمّا خيار الانسحاب السريع الذي ينظّر له ضمنياً فانس، متذرّعاً بأن «الأهداف تحققت»، فيعني إقراراً عملياً بالفشل وانتكاسة لأميركا العظمى في مقابل إيران. وهي انتكاسة لن تفلح أيّ من السرديات اللاحقة في تغطيتها أو إبطال تداعياتها على صاحب القرار في واشنطن (ترامب ومن معه)، وكذلك على مصالح أميركا الدولة – حول العالم -، والتي هي أساساً مقبلة على مواجهة تحديات صعبة جداً.
على أنه مهما كانت سردية الانتصار التي ستعمل الإدارة على تسويقها داخلياً وخارجياً، يظلّ القرار النهائي محصوراً بترامب نفسه، الذي تطمح شخصيته النرجسية إلى تصدير «صورة النجاح» على حساب الواقع الملموس. على أن مواقف ترامب، مهما علا سقفها، لا تصنع انتصارات، وهي بالتأكيد لن تجد حلولاً للمعضلة الاستراتيجية التي تواجه صاحب القرار حالياً.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» أشارت، في مقال افتتاحي لها الأسبوع الماضي حمل عنوان «الأكاذيب»، إلى أن ترامب يطلق ادعاءات تتناقض مع الوقائع الميدانية، مبيّنةً أنه في الوقت الذي قال فيه إن «إيران تترجّانا لإبرام اتفاق معها»، لا مؤشرات على مسار تفاوض؛ وبينما ادّعى الرئيس أنه قضى تماماً على البرنامج النووي، لا تزال إيران تملك مخزوناً عالي التخصيب. كما أشارت الصحيفة إلى تناقض ادّعاء ترامب تحمّل إيران مسؤولية الهجوم على مدرسة في «ميناب» الإيرانية الذي أودى بحياة 175 فتاة، مع نتائج التحقيق الذي أكد أن «صاروخاً أميركياً هو الذي أصاب المدرسة». أما آخر ما صدر عن ترامب، في هذا الإطار، فهو ادّعاؤه بأن النظام الإيراني قد تغيّر بالفعل، وأنه سيتوجه الآن إلى كوبا، لتغييرها.
وفي حين تستمرّ أكاذيب ترامب في التناسل، تبقى الأسئلة عالقة في طريق تشكيل سردية «الانتصار»، خصوصاً منها السؤال حول مضيق هرمز. ففي حال انسحبت أميركا والمضيق مغلق، فهذا يعدّ اعترافاً بالعجز، خصوصاً أن أسعار النفط مرتفعة، مما سيؤثر سلباً على صورة ترامب واقتداره أمام جمهوره أولاً، قبل أن يؤثر سلباً على صورته أمام العالم. لكن هل هذا يعني أن الرئيس الأميركي سيلجأ إلى الخيار التصعيدي حتماً؟ الأكيد أن ترامب لا يتخذ قراراته بناءً على المعطيات العسكرية فقط، إنّما بناءً أيضاً – وربما أولاً – على مزاجه وحساباته الشخصية، وهو ما سيفتح الباب أمام تحولات مفاجئة. فإذا بدا لديه أن المضيّ في التصعيد سيؤدي إلى «انتصار تاريخي»، قد يميل إليه لإشباع غروره؛ وإذا بدا له مكلفاً سياسياً قد ينسحب فجأة ويعلن النصر كاذباً. وهذا ما يجعل «مصالح» الدولة الأميركية قابلة للمساومة خدمةً لصورة رئيسها.
وعلى أي حال، تؤكّد الوقائع التاريخية أن الصراعات لا تُحسم بصخب الخطابات وعلوّ سقفها، وأن هذه الأخيرة لا بدّ أن تصطدم بالواقع ولو تغافلت عنه. وسواء اختار ترامب التصعيد البري أو الانسحاب، فستخرج أميركا الدولة بأضرار جسيمة، في وقت تنجح فيه إيران، أقلّه حتى الآن، في فرض معادلة جديدة على ترامب، عنوانها: إما أن يتعلم أن القوة لا تكفي وحدها، وهو ما يبدو صعباً جداً عليه، أو يدفع ثمن أوهامه، وهو ما لا يقلّ صعوبة عليه أيضاً.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
