د. سلمان ريا
ليست عبارة دونالد ترامب عن “السيطرة مع آية الله على مضيق هرمز” زلة لسان، ولا نبوءة اتفاق، بل تكثيفٌ فجّ لفلسفة سياسية ترى العالم ساحة صفقات بين قوى عارية من كل غطاء مؤسسي. في لحظة يتقاطع فيها ضغط الأسواق مع حافة الحرب، يقدّم ترامب جملة تبدو ساذجة في ظاهرها، لكنها محمّلة بإقرار ضمني: لا أحد يفتح المضيق وحده، ولا أحد يغلقه دون كلفة كونية.
حين يستحضر “آية الله”، فهو لا يسمّي شخصًا بقدر ما يختزل دولة كاملة في رمزها الأعلى، ليحوّل الجغرافيا إلى علاقة بين إرادتين. هنا تُختصر التعقيدات القانونية والعسكرية التي تحكم المرور في المضيق إلى معادلة شخصية: أنا وهو. هذا الاختزال ليس جهلًا بالبنية، بل تجاهل مقصود لها، لأن المؤسسات—من القانون الدولي إلى التحالفات—تُضعف منطق الصفقة المباشرة الذي يفضّله.
العبارة، في جوهرها، اعترافٌ بميزان قوة ثنائي بين الولايات المتحدة وإيران: الأولى تملك القدرة على الضبط البحري، والثانية تملك القدرة على التعطيل من موقعها الجغرافي. ما بين الضبط والتعطيل يتكوّن المجال الوحيد الممكن: إدارة مشتركة للأزمة، لا بوصفها شراكة معلنة، بل كترتيب قسري يفرضه توازن الردع. لذلك تبدو الجملة وكأنها تقف على حدّين متناقضين: تهديدٌ مبطّن بإبقاء اليد العليا، وفتحُ بابٍ لتفاهم يُنهي كلفة التصعيد.
في هذا الأسلوب، يتجاور التصعيد مع التهدئة دون أن يُلغي أحدهما الآخر. تأجيل الضربات، الحديث عن “نقاط اتفاق”، ثم إطلاق عبارة صادمة—كلها عناصر في خطاب يضغط على الخصم والأسواق معًا. الداخل الأمريكي يسمع وعدًا بالقوة من دون حرب مفتوحة، والخارج يلتقط إشارة إلى أن باب التفاوض لم يُغلق. هكذا تُدار اللحظة: لا انسحاب من الحافة، ولا قفز إلى الهاوية، بل الوقوف عليها وإعادة تعريفها كمساحة تفاوض.
لكن ما تكشفه الجملة أبعد من تكتيك ظرفي. إنها تعلن، بصيغة مبسّطة، انتقالًا في تصور الهيمنة: من السيطرة المنفردة إلى إدارة التعارض مع الخصوم عندما تصبح كلفة الإخضاع أعلى من كلفة التفاهم. في هذا التصور، لا تعود الشرعية الدولية مرجعية حاكمة، بل نتيجة لاحقة لصفقة يفرضها ميزان القوة. لذلك تُفهم “السيطرة المشتركة” لا كاقتسام رسمي للمضيق، بل كإقرار بأن الاستقرار فيه لن ينتج إلا من توافق القادرين على كسره.
يبقى الفارق بين القول والواقع واسعًا؛ فطهران تنفي، والوقائع الميدانية لا تُدار بضمير المتكلم. غير أن الخطاب هنا ليس تقريرًا لما هو قائم، بل محاولة لصناعة ما يمكن أن يكون. بين مبالغة اللغة وصلابة الجغرافيا، يختبر العالم مجددًا فكرة قديمة بثوب جديد: حين تتعادل القدرة على الفتح والإغلاق، تصبح الصفقة—مهما بدت فجة—أقرب الطرق إلى عبورٍ آمن.


(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
