عزام الكنج
طرطوس، المدينة التي لطالما عُرفت بهدوئها الساحلي ودفء ناسها، لم تعد كما كانت. المشهد اليوم مختلف تمامًا؛ شوارعها تُغلق على قلق، وأزقتها باتت صدىً لصمت ثقيل. رغم وجود بعض المارّة لشراء الحاجيات الأساسية، إلا أن المدينة تبدو وكأنها أعلنت إضرابًا صامتًا عن الحياة.
الخوف تسلل إلى تفاصيل اليوميّات، فتراجع الإحساس بالأمان جعل من التجول في الشوارع مهمة محفوفة بالقلق. النظرات المرتابة، الالتفات المستمر، والخشية من المجهول أصبحت من سمات المشي في المدينة. ما بعد الخامسة مساءً، تبدو طرطوس كأنها مدينة مهجورة، لا أثر فيها لحركة، ولا صخب، ولا حتى لطمأنينة.
هذا الانكماش المجتمعي لم يأتِ من فراغ. فرغم أن غياب القبضة الأمنية الغاشمة السابقة اعطى ارتياحاً كبيراً، إلا أنه برزت ظواهر أكثر خطورة؛ من مجموعات مسلّحة خارجة عن السيطرة، إلى عصابات الخطف وقطاع الطرق، الأمر الذي زرع حالة من الرعب الشعبي وقطع خيط الثقة بين المواطن والشارع.
وتزداد المخاوف مع اقتراب موسم الصيف، إذ تسود توقعات قاتمة بأن يكون الموسم السياحي القادم هو الأسوأ في تاريخ سوريا. عوامل عدة تدفع نحو هذا التشاؤم، على رأسها التدهور الأمني وتبدل المزاج الفكري والاجتماعي في المدينة، التي لطالما كانت توصف بالتحرر والانفتاح.
لم تعد طرطوس، في نظر كثيرين، حضنًا دافئًا أو ملاذًا آمِنًا. المدينة تُطفئ أنوارها باكرًا، وقلوب سكانها مثقلة بالحذر. البعض اختار الهروب نحو لبنان أو إلى دول أخرى، بينما انسحب آخرون من الحياة العامة وانغلقوا داخل منازلهم، كأنهم في حالة عزلة وجودية قسرية.
في ظل هذا الواقع، تبقى طرطوس مدينةً تبحث عن استعادة نبضها. بين صمتها الصاخب ومخاوفها المتراكمة، تقف على مفترق طرق حرج، تنتظر أملًا… ولو ضئيلاً.
(اخبار سوريا الوطن 1-صفحة الكاتب)