هنري زغيب
أَيامُ عطلة “النهار” في عيد الفطر المبارك، وأَيامُ هذا الجوّ العامّ الضاغط بصَعْقات الحرب، حالت دون التنبُّه إِلى الذكرى الثالثة والأَربعين لغياب نصري شمس الدين (1927-1983) الركن الرئيس في التراث الرحباني منذ مطالعه.
المَطالع
بعد نشْأَته في قريته الجنوبية “جُون”، وهو من مؤَسسي “فرقة جون للرقص الشعبي”، انتقلَ منها للعمل مدرِّسًا في صيدا وصور. غادر إِلى مصر وبلجيكا وفرنسا، وعاد إِلى بيروت (1952). وذات يوم لَفَتَهُ إِعلانٌ من “إِذاعة الشرق الأَدنى” يطلب أَصواتًا جديدة لكورسها. نجح أَمام لجنة امتحان الأَصوات (عاصي ومنصور الرحباني، عبدالغني شعبان، حليم الرومي) انضمَّ إِلى الإِذاعة عضوًا في كورسها. وأَطلق أَوَّل أُغنية فردية له فيها: “بْحَلّفَك يا طير بالفرقَهْ” (كلمات أَسعد السبعلي وتلحين فيلمون وهبه).
عن منصور الرحباني، حين كنتُ أَجلس إِليه لوضع كتابي “طريق النحل”، قولُه: “تعود علاقتُنا بنصري إِلى أَيام “إِذاعة “الشرق الأَدنى”. بدأَ معنا عضوًا في الكورس. وحين اكتشفْنا موهبته الواثقة، أَعطيناه مقاطع سولو. ثم بدأْنا نُنتج سْكتشات “سبع ومخول” في الإِذاعة اللبنانية، فأَسندْنا إِليه دور “نصري بو دربكِّهْ”. وراح لاحقًا يَبرع في أَداء الأَدوار، فتدرَّج معنا من السولو إِلى السْكتشات الإِذاعية إِلى الأَغاني، حتى تخصَّص في مسرحنا، وبات عنصرًا رُكْنًا في مسيرتنا الفنية. كان يتمتَّع بكفاءَات فنية نادرة لا تُعَوَّض، أَبرزُها غناؤُهُ على المسرح بِهَيبة ورهبة أَمام أُوركسترا تَعزف نوطات أُخرى يفْرضها التوزيع، فيما هو يستمرُّ في غنائه مُسَلْطنًا بثقةٍ وثباتٍ، ولا يضيع بينما كثيرون يضيعون في موقف كهذا”.
تأَلُّقُه في المسرح الرحباني
من سْكتشات “سبع ومخول” (سبع: فيلمون وهبه، مخول: منصور الرحباني، بو فارس: عاصي الرحباني، ونصري)، انضمَّ نصري إِلى فضاء الأَخوين رحباني ونجمته الخالدة فيروز. بدأَ من أَوَّل مهرجان لهما في بعلبك (“إِيَّام الحصاد” – 1957)، ففي المهرجان الثاني (“المحاكمة” – 1959). ثم تكرَّس عنصرًا بارزًا متأَلِّقًا في المسرح الرحباني (“موسم العز” – 1960 أَمام صباح ووديع الصافي)، وفي بطولة أَمام صباح (“فهد العابور” في “دواليب الهوا” – 1965)، ليبقى أَمام فيروز في سائر الأَعمال الرحبانية حيثما تَمَسرَحَت: بعلبك، معرض دمشق الدولي، الأَرز، مسرح البيكاديللي (بيروت)، ومسرح كازينو لبنان، وجولات الأَعمال الرحبانية على مدن وعواصم عربية وعالَمية.
تتالت رحبانيًّا مشاركتُه الحوارية والغنائية، مسرحيًّا وتلفزيونيًّا وسينمائيًّا.
منها: “شيخ المشايخ” (“جسر القمر” – 1962)، “عبدو” (“عودة العسكر” – 1962)، “نصري الحارس” (“الليل والقنديل” – 1963)، “المختار” (“بيَّاع الخواتم” 1964)، “فخر الدين” (“إِيَّام فخر الدين” – 1966)، “الملك داجور” (“هالة والملك” – 1967)، “المتصرِّف” (“الشخص” – 1969)، “عبدو الرَوَنْدي” (“جبال الصوان” – 1968)، “بو ديب صاحب الدكَّان” (“يعيش يعيش” – 1970)، “زيدون المستشار” (“صح النوم” – 1971)، “ناس من ورق” (1972)، “بَربَر” (“ناطورة المفاتيح” – 1972)، رئيس البلدية (“المحطة” – 1973)، “قصيدة حُبّ” (1973)، “جرجي البُوْيَجي (“لولو” – 1974)، “راجي بو نعمان” (“ميس الريم” – 1975)، “ريبال الوزير” (“بترا” – 1977).
وكانت له أَدوار مميَّزة في الأَعمال الرحبانية السينمائية: “المختار” (“بياع الخواتم” – 1965)، “مختار مَشْتى الديب” (“سفر برلك” – 1967)، “توفيق عبُّود بو نجمة” (“بنت الحارس” – 1968)، وأَفلام قليلة أُخرى. وكانت له أَحيانًا جولات غنائية فردية في مدن وعواصم عربية.
ملتزم حتى… سقوطه على المسرح
كانت لنصري مشاركاتٌ مسرحية قليلة في بعض المهرجانات (بيت الدين، جبيل، …)، وأُغنيات خاصة من خارج التلحين الرحباني (فيلمون وهبه، وليد غلمية، الياس الرحباني، زكي ناصيف، زياد الرحباني، وهو لَحَّنَ بعض الأُغنيات وغنَّاها).
وبالرغم من عمره القصير (56 سنة) كان نتاجُه الغنائي وفيرًا، جُلُّه من الأَخوين رحباني كلماتٍ وحواراتٍ غنائيةً وأَلحانًا. وظلَّ على علاقة جيِّدة بهما بعدما توقَّف عمله معهما (إِلَّا في مسرحية “الشخص” – نسخة 1980) بعد انفصال فيروز عن الأُسرة الرحبانية الفنية.
مساءَ الجمعة 18 آذار 1983، فيما كان يؤَدِّي وَصْلَته الغنائية على مسرح “نادي الشرق” في دمشق، صَعَقَتْه جلطةٌ دماغيةٌ مفاجئة، فسقَط على المسرح.
وفاء عاصي…
فَور تبلُّغِ رفيق المشوار الفني عاصي الرحباني خبرَ وفاة نصري، كتَب يَرثيه بهذه الكلمة: “يا نصري، بدّي إِحكي معَك باللغَهْ البسيطَهْ اللي بيعيشوا فيها الناس وبْينْوِجدوا وبيموتوا، باللغَهْ اللي كنت تْواجه فيها الجماهير من بيروت إِلى بعلبك، وإِلى العواصم العربيِّه وكل عواصم العالم.
30 سنِهْ نحنا وايَّاك شغْل وسهَر… 30 سنِهْ وقُوف عَ المسارح مجْد وتصفيق. وَلا يوم فْشِلْنا. وإِنتَ اللي كانت ولادتَك عَ المسرح يوم اللي بدَّك تموت، واخترت موتَك عَ المسرح، وعلَّمْتْنا أَعظم إِستشهاد من أَجل الحياة. يا رفْقِة الإِيام الحلوِه اللي سافَرت بأَول الربيع لَمَّا جينا نودّعك، وكانت تلال جُون شِعلانِهْ بالزَهر الأَبيض، عامْلِتْلَك مهرجان عمْتحاول تردلَّك شوي من مهرجاناتَك. كلّنا بْكينا، وبِكْيِتْ معنا السما… إِنت بتعرف الروابط اللي بيناتنا. إِنت صوتنا اللي كان يوصِّلْنا للناس. نحنا جُذور الشَجرَهْ اللي بالتراب، وإِنتَ غْصونا اللي عمتِلْمع بالشمس. إِنتَ الهدير اللي كان يوزِّع ثورتنا ويزْرعها بالدنيا. مطرح اللي كنت تروح، كنت تشِكّ علَم لبنان.
زعيم. نعم، وأَكتر من زعيم. إِنتَ من زُعما لبنان الحقيقيين. صوتَك وصِل أَكتر من أَصواتُن. فَعَل بالناس أَكتر من خطاباتُن. غَيَّر أَكتر ما هنِّي غيَّروا . إِنتَ مش بحاجة لَمين يكرّمَك. الوطن كرَّمَك بحياتَك. وشو الوطن؟ هو هالتراث والطموحات اللي حاملينا بصدورنا. الوطن إِنتَ وأَنا وهَالناس الطيّبين اللي كانوا يزْحفوا بالأُلوف تَ يسمعوك. هودي هنّي الوطن.
يا سيِّد الوقْفِهْ العظيمِهْ، ما إِجا أَنْبَل منَّك عَ المسرح. ولَمّا طلَّيت بـ”فخرالدين”، فعلًا كنت إِنتَ فخرالدين. هوّي لِعِب دَور، ونام بالتاريخ. 200 سنِهْ نام. حتى جيتْ إِنتَ وَعَّيْتو وعيَّشْتو معنا. شفناه بعينَينا، ولَمَسناه بإِيدينا، وصار يطلّ علينا كلّ يوم بصوتَك، ويخبِّرنا كيف بيعمّْروا الأَوطان… الله يرحمَك يا نصري. رح تضلّ عايش بقلُوب الناس، ويضلّ صوتَك يهدُر بكل الدني”.
… ووفاء فيروز
وحين بلغ الخبرُ نجمةَ الفضاء الرحباني الخالدة فيروز، كتبَتْ بحُزْن: “غيابكْ بكَّاني يا نصري. كنت قُول: إِذا غبْت، بُكرا بيرجع. وإِذا فلَّيت، بكرا بشوفو. وَلا مرَّهْ غبْت هيك وفلَّيت هَالقدّ. كان بْيلْبَقْلَك تعيش كتير بعد. كان بْيلْبَق لصوتَك يغنِّي بعد… نصري، يا رفيقي الوفي وفناني الكبير، فيه شي زاد بفَنّي لأَنَّك جيت، وفيه شي نقِصْ لأَنك رحت”.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
