تعرض مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد منذ حوالي سنة من الآن لانتقادات كثيرة، تراوحت بين اعتراض على الدعوات أو الحضور والسرعة في الاستحقاق، والنتائج التي كان بعضها واقعياً، وبعضها لم يحقق الغاية المبتغاة.
والحقيقة أن هذه الانتقادات تستحق الوقوف عندها دائماً والبناء عليها، لأن مسألة حوار وطني بين السوريين بعد ستة عقود من الاستبداد وأربعة عشرة سنة من القتل والتدمير هي مسألة أكبر من مؤتمر، وتحتاج إلى ديناميكية مستمرة تؤسس لحوار دائم بين السوريين يكون مكانه في المستقبل المؤسسات الرسمية والتشريعية والقوى السياسية وقوى المجتمع المدني.
ولكن أيضاً كان لهذا المؤتمر على الأقل الدور الكبير في إطلاق عملية بناء كانت تحتاج لنقطة ارتكاز سياسية ومدنية بعد نقطة الارتكاز العسكرية التي أسس لها مؤتمر النصر.
وأنا أعتقد أنه مهما طال عدد أيام هذا المؤتمر في تاريخه، أو مهما كان هناك توسع في شكل وعدد ونوعية الحضور، فإنه لم يكن ليكون كافياً بالنظر إلى حجم التحديات والاستحقاقات التي كانت تنتظر سوريا في بداية العام الأول من التحرير.
وبالرغم من كل ذلك تحقق بعد هذا المؤتمر الكثير من التقدم والتطور على صعيد بناء أسس الدولة وترتيب علاقاتها الخارجية التي كانت تشكل عائقاً حقيقياً أمام أي تحسن على الصعيد الداخلي.
وأنا أرى هنا، أن الدولة السورية والرئيس أحمد الشرع أدرك بشكل مبكر أنه لا يمكن الإقلاع بأي عملية تنموية وإصلاحية داخلية فاعلة ومستدامة ما لم يتم على الأقل بناء وترسيخ العوامل الأساسية التي يتطلبها إنشاء الدول.
فالدولة السورية -وإن مضى على تأسيسها أكثر من قرن من الزمان- كانت في أغلب الأحيان دولة هشة وفاشلة على معظم الأصعدة الاقتصادية والسياسية والإدارية، وحتى التجربة الديموقراطية البسيطة التي أعقبت فترة الاستقلال كانت ضعيفة لدرجة أنها لم تصمد أمام أول نزوة انقلابية عسكرية قادها حسني الزعيم.
أدرك الرئيس أحمد الشرع هذه الحقيقة، وربما ساعدت التجربة الصعبة والناجحة التي خاضها في محافظة إدلب على وضع رؤية استراتيجية لما يجب أن تكون عليه المراحل الأولى من تأسيس الدولة.
فأي عملية تنموية داخلية غير ممكنة النجاح دون تجاوز التحدي الأمني الكبير، وتحدي وحدة البلاد، وعلاقات سوريا مع العالم والإقليم، وحالة الحصار الاقتصادي التي كان يتعرض لها الشعب السوري، ناهيك عن حالة التمزق الاجتماعي العميق الذي يرخي بظلاله على الشعب السوري، وهاجس الخوف الذي كان يتجلى في احتمال حدوث أعمال انتقامية كبيرة أو الانجرار لحروب أهلية طائفية أو مناطقية.
هذه تحديات لا يمكن وصفها إلا أنها من أعظم التحديات التي يمكن أن تواجه أمة من الأمم وخاصة في عصر تبلغ فيه سرعة التطور والأحداث حدوداً ما كان يتخيلها العقل، وفي منطقة تكمن فيها كل القنابل الموقوتة التي تهدد استقرارها، وصراعات كبيرة على الأمن والحدود والطاقة والوجود.
كان واضحاً أن هذا المؤتمر شكل نقطة البداية للعمل على كل هذه التحديات، والتي لم يكن لشخصية سياسية في العالم ربما أن تتخيل أنه يمكن تحقيق كل هذا التقدم إزاءها خلال الفترة الماضية على كل هذه الأصعدة.
بالإضافة إلى أن مسألة الحوار الوطني بحد ذاتها استمرت على مستويات مختلفة، من لقاءات القيادة وخاصة الرئيس أحمد الشرع مع فئات وشرائح اجتماعية وسياسية كبيرة، إلى النشاط السياسي التي خاضته مؤسسات سياسية تابعة للدولة من جهة، ومؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى، بالإضافة إلى استحقاق تشكيل مجلس الشعب، وما رافقه من حالة حراك ولقاءات وتشعبات سياسية ساهمت بشكل كبير بتقريب وجهات النظر واحتكاك فئات المجتمع السوري مع بعضها.
وما حالة النقاش والصخب السياسي الذي تشهده الساحة السورية حالياً سواء في الواقع أو حتى على صعيد الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وبالرغم من فوضويتها في بعض الأحيان، إلا دليلاً كبيراً على نجاح المجتمع السوري في الانتقال من حالة الصراع والتنافس السياسي العُنفي إلى الحالة السلمية من العمل السياسي، وهذا يحسب للدولة ولوعي الشعب السوري بآن واحد.
ارتفاع مستوى الحرية غير المنظم في بعض الأوقات هو إنجاز بحد ذاته، وحالة الانتقاد والتذمر هي حالة صحية ستؤسس مع الوقت وبشكل مؤكد لحالة طبيعية من الحياة السياسية في سوريا. لا بد أن تتوج هذه الحالة بقانون عصري للأحزاب ودستور دائم يحترم كل طموحات الشعب السوري، ويحافظ في الوقت ذاته على طريق الانتقال للدولة، مع ترسيخ مبادئ وأفكار وقيم الثورة.
من الواضح في المرحلة الراهنة وجود رغبة ونية في الانتقال من حالة معالجة الملفات الكبرى التأسيسية للدولة والملفات الخارجية إلى جوهر تطور الدولة السورية، وهو التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الداخل.
ومن الواضح أيضاً أنه هنالك رسائل عدة تصدر عن الدولة تُوحي بأن المسالة الداخلية في سوريا تنتقل بشكل تدريجي إلى سلم أولويات الحكومة والدولة السورية، وخاصة أن النجاحات السياسية الخارجية أسهمت بشكل كبير في تحييد سوريا حالياً عن أكبر هزة سياسية وعسكرية تتعرض لها منطقة الشرق الأوسط، والتي تتعلق بالصراع مع المشروع الإيراني في المنطقة، والذي ربما وُجهت له أكبر ضربة سياسية وعسكرية بانتصار الثورة السورية.
وبالعودة لمسألة الحوار الوطني، لا بد هنا من أن نكون متفقين على أن الحوار يجب أن لا يكون له بداية وأن لا يكون له نهاية، وهو حالة يجب أن تكون مستمرة ومستدامة وتتطور باستمرار بأشكال وآليات وأدوات متعددة، وربما يكون على رأسها وجود مؤسسة تشريعية حقيقية تُعبر عن هموم الناس وطموحاتهم، وتشكل مؤسسة رسمية لمساءلة الحكومة وتنظيم الحياة القانونية في البلاد والتأسيس للرؤية الجديدة التي يجب أن تكون عليها سوريا .
وأي أفكار تطرح الآن حول شكل النظام السياسي في سوريا أو مبادئ الإعلان الدستوري أو مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ومسألة العدالة الانتقالية هي في النهاية أفكار ورؤى مشروعة في ظل مرحلة يفترض أن تكون مؤسسة لشكل وهوية الجمهورية الثالثة التي يجب أن تنطلق بنهاية المرحلة الانتقالية.
لكن سنة واحدة لا تكفي لبدء عملية المحاسبة على كل هذه القضايا، لأن الوقت وبالرغم من أنه يكون ضاغطاً في بعض الأحيان، إلا أنه جزء وعاملٌ مهم من الحل، ولا بد دائماً من أن نتعامل معه بحذر، وأن نمنح الوقت للوقت كي لا نقع في أفخاخ المغامرات السريعة التي يمكن أن يكون ثمنها باهظاً.
تطور الحوار الوطني بالتأكيد مرتبط بتطور الحياة السياسية. والحياة السياسية التي يجب أن تتمتع بهامش كبير من الحرية، لا بد أن تتمتع أيضاً بضوابط حقيقية أخلاقية ووطنية وثورية كي تحافظ على أمن وسلامة المجتمع، ولا بد أن تترافق بارتفاع كبير في درجة الوعي وتطور المهارات السياسية لدى الشعب السوري كي تكون هذه الحياة معبرة عن روح وطنية وليس عن مصالح فئوية أو طائفية أو حتى مناطقية وطبقية، ولا بد أن تترافق بعملية تحول وتطور فكري كبير تقوده نخب المجتمع السوري أينما وجدت داخل أو خارج السلطة وداخل أو خارج البلاد.
لذلك، ومع انطلاق أعمال مجلس الشعب، وفي هذا الجو الغني بالنقاشات والتفاعل الفكري و السياسي، فأنا أرى أن الحوار الوطني سوف يترسخ كل يوم في سوريا وفي كل مكان ويكتسب الخبرة يوماً بعد يوم على صعيد القدرة على التكيف مع الاختلاف ومع المختلف، ويساهم في تقارب الرؤى والأفكار والتخفيف من الشحن الاجتماعي الذي ترسخ خلال عقود الاستبداد.
وعلى هامش مجلس الشعب، سوف تتنشط الحياة السياسية على صعيد المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية، ولا بد أن تترافق في المراحل القادمة مع بدء تطور الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية المتطورة والحديثة، والتي تتناسب مع التحديات العالمية الاقتصادية والسياسية، وتستطيع أن تقدم رؤى وحلولاً حقيقية سياسية واقتصادية سورية على الصعيد الداخلي والخارجي.
كما لا بد أن يلعب الإعلام دوره الإيجابي الوطني البناء في مسألة الحوار وإدارته، دون أن يكون موجهاً له أو وصياً عليه، ودون أن يلعب دور المحرض أوالقاضي، وأن يتمتع بنزاهة إعلامية وفكرية تجعله يؤدي رسالته الإنسانية ويمارس دوره كسلطة رابعة بشكل نزيه ووطني وأخلاقي.
حالة الهدوء والتروي التي يدير بها الرئيس أحمد الشرع البلاد خلال هذه المرحلة تعبر عن وجود رؤية حقيقية لديه للانتقال إلى منطق الدولة، فبعد نجاحه بقيادة الثورة السورية إلى الانتصار، هو اليوم بالتأكيد يسعى إلى قيادة الدولة السورية إلى النجاح.
إن أكبر تحد يواجه السوريين وسوريا اليوم هو أن تفشل في أن تكون دولة ناجحة، أو أن تفشل في الخروج من غرفة الإنعاش بعد أن خاضت أعظم استحقاقاتها التاريخية التي توجت يوم 8 كانون الأول، وهذا يتطلب من الجميع الحكمة والهدوء وأن نعطي الوقت للوقت.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
