أحمد العبد
من دون أيّ إنذار مُسبق أو مُبرّر أمني، دفع جيش الاحتلال، فجر الإثنين، بمئات الجنود وعشرات الآليات المدرّعة إلى أحياء واسعة في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، في واحدة من أوسع العمليات العسكرية التي تشهدها المدينة منذ سنوات، والتي أوحت مجرياتها بأنها تتجاوز كونها مجرّد إجراء أمني «محدود ومؤقّت»؛ إذ بدت الخطوات التي اتخذتها قوات العدو في خلالها وكأنها مصمّمة لبدء هجوم مركّب وطويل الأمد، يستهدف إعادة تشكيل المشهد الميداني والديمغرافي للمدينة.
وفي السياق، فرضت قوات الاحتلال حظر تجوّل شامل في الخليل، ونصبت بوابات حديدية وسواتر ترابية، مغلقةً مداخل الأحياء، ما أسفر عن عزل منطقة تُقدَّر مساحتها بنحو أربعة كيلومترات مربّعة، ومنع الحركة والتنقل فيها، إلا بشروط، في ما لا يتماشى مع سردية «فرض النظام» التي تروّج لها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بل يعكس، عملياً، سياسة إعادة احتلال تدريجي. وكان جيش العدو قد أصدر بياناً مشتركاً، مع جهاز «الشاباك» والشرطة وحرس الحدود، أعلن فيه بدء «عملية عسكرية واسعة» تمتدّ على أيام عدة، بزعم «مكافحة البنى التحتية المسلّحة وجمع السلاح غير القانوني» في أحياء جنوب الخليل، وعلى رأسها حي جبل جوهر، وذلك على الرغم من أن المنطقة المُستهدفة تخضع، منذ عقود، لسيطرة الاحتلال الأمنية والإدارية الكاملة، فيما يُعدّ الجيش الإسرائيلي الجهة الوحيدة التي تتحكّم بمداخلها ومخارجها، وتشرف على «تفاصيلها» اليومية.
وتقع المنطقة المُشار إليها ضمن نطاق «H2»، وفق «اتفاق الخليل» الموقّع عام 1997، والذي قسّم المدينة إلى منطقتين: «H1» الخاضعة للسلطة الفلسطينية والتي تشكّل نحو 80% من مساحة الخليل، و«H2» التي تشمل البلدة القديمة، والحرم الإبراهيمي، وعدداً من الأحياء الجنوبية، وتخضع، بالكامل، لسيطرة الاحتلال. ومن هنا، فإن ادّعاء العدو وجود «فلتان أمني» في منطقة يديرها هو بشكل مباشر، يعكس محاولة لـ«تبرير» حالة الفوضى التي أسهم هو في تغذيتها، تمهيداً لاستخدامها، في ما بعد، كذريعة لتصعيد العمل العسكري.
واللافت، أنه بعدما كانت قوات الاحتلال قد «سهّلت»، خلال السنوات الماضية، دخول السلاح إلى تلك المنطقة، وغضّت الطرف عن النزاعات العشائرية فيها عندما لم تكن الأخيرة تمسّ مصالحها المباشرة، باتت تتّخذ، اليوم، «من نزع السلاح» ذريعة لفرض وقائع جديدة. وعلى الرغم من محاولة تصوير العملية على أنها أمنية محض، إلا أن سلطات العدو اختارت دائماً تجنّب اعتقال المتورّطين بشكل مباشر وسريع، أو السماح للأجهزة الأمنية الفلسطينية بالانتشار وضبط الأمن، راكنةً بدلاً من ذلك إلى بثّ الفوضى ومن ثمّ امتطائها.
ووفقاً لتقديرات بلدية الخليل ومصادر محلية، شمل حظر التجوّل المشدّد ما لا يقلّ عن 18 ألف مواطن في الأيام الأولى، قبل أن يتّسع نطاق الحصار ليطاول قرابة 40 ألف فلسطيني يقطنون في ما يُعرف بـ«مثلث المختار»، الذي يضمّ أحياء جبل جوهر، والمشارقة التحتا، والكسارة، وشارع الأخوّة، وخلة القبة، وخلة الشرباتي، والسهلة، وبيرين. وتحتضن المنطقة المغلقة نحو 3 آلاف و750 عائلة، يزيد عدد أفرادها على 18 ألفاً و750 نسمة. كذلك، تحوي الأجزاء المستهدفة بنية تعليمية حيوية، تعطّلت بالكامل بفعل الإغلاق؛ إذ أعلنت وزارة التربية والتعليم تعليق الدوام في 26 مدرسة و3 رياض أطفال، من بينها 18 مدرسة حكومية و8 خاصة، مشيرة إلى أن نسبة الطلبة المتغيّبين بلغت 22.7%، فيما تعذّر وصول نحو 8% من المعلمين إلى مدارسهم. والأرقام هذه ليست مجرّد «أضرار جانبية»، بل هي تلخّص جوهر السياسة الإسرائيلية القائمة على تقييد حياة الفلسطينيين وتعطيلها، وصولاً إلى إنهاك المجتمع ودفع أبنائه، تدريجياً، إلى المغادرة قسرياً.
تحوّل الاحتلال من سياسة «الإزاحة البطيئة» إلى «الطرد العنيف والمباشر» للفلسطينيين
وبناءً على ما تقدّم، حذّرت بلدية الخليل من أن العملية الأخيرة تنطوي على «مؤشّرات خطيرة»، معتبرة أن ما يجري هو اقتطاع فعلي لجزء من المدينة وإعادة احتلال له، في سياق لا يمكن فصله عن التوسّع الاستيطاني المتسارع حول المسجد الإبراهيمي، ومحاولات سحب صلاحيات بلدية الخليل لصالح لجان استيطانية تعمل كأذرع تنفيذية لمشاريع الضم. وإذ يفرض الاحتلال، منذ أكثر من 25 عاماً، طوقاً خانقاً حول محيط المسجد الإبراهيمي عبر أكثر من 120 حاجزاً وبوابة وعائقاً، في مساحة لا تتجاوز كيلومتراً مربّعاً، يسكنها نحو 7 آلاف فلسطيني، فإن بعض التقديرات المحلية تشير إلى أن العملية الحالية لا تهدف إلى توسيع ذلك الطوق فحسب، بل جعله يمتدّ جنوباً ليشمل أحياء جديدة، جنباً إلى جنب تحويل ما تصفه إسرائيل بالإجراءات «الطارئة»، إلى واقع دائم.
ولعلّ العامل الأخطر في الخطة الإسرائيلية، هو بُعدها الإحلالي؛ إذ تشكّل المنطقة الجنوبية من الخليل حلقة وصل حيوية بين البلدة القديمة ومستوطنة «كريات أربع» والبؤر الاستيطانية في تل الرميدة. وفي حال عزلها وتفريغها تدريجياً من سكانها، فإن ذلك سيمهّد الطريق أمام إنشاء ممرّ استيطاني متّصل، خالٍ من الوجود الفلسطيني، يعيد رسم الخريطة الديمغرافية للمدينة، ويعزّز مخططات الضمّ التي يتبناها وزراء متطرفون في حكومة الاحتلال، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
هكذا، وبعدما اتّبعت سلطات العدو، لسنوات، ما يمكن وصفه بـ«استراتيجية الطرد البطيء»، والقائمة على استنزاف السكان نفسياً واقتصادياً، ودفعهم إلى الرحيل بصمت، تحت ضغط القيود والحصار، تشير معطيات المرحلة الراهنة إلى انتقال الاحتلال إلى «الطرد العنيف والمباشر». وهو تحوّل تظلّله «نقلة» في السردية الصهيونية المعتادة، تحاول إسرائيل من خلالها تقديم نفسها كـ«قوة شرطية» أو جهة تنظيم داخلي، متجاوزةً دورها «القانوني» في حماية السكان المدنيين، وموظّفةً خلافاتهم الاجتماعية لإعادة احتلال مناطق، ومصادرة الحقوق، وفرض السيطرة بالقوة.
ويأتي هذا في وقت كانت فيه إسرائيل تعمل، منذ سنوات، على تحويل أجزاء واسعة من مدينة الخليل، ولا سيما في محيط البلدة القديمة والمنطقة الجنوبية، إلى بيئة خانقة للحياة الفلسطينية، وذلك عبر مزيج من الأدوات الأمنية والاقتصادية والمعيشية، التي تهدف إلى جعل الحياة اليومية بمثابة «عبء لا يُحتمل». وفي هذا الإطار، يؤكد هشام شرباتي، منسّق لجنة الدفاع عن الخليل، لــ«الأخبار»، أن الأطماع الإسرائيلية في الضفة الغربية «ليست خافية ولا طارئة»، بل هي تُترجم عبر «سياسات معلنة وممنهجة»، مشيراً إلى أن ما يجري اليوم في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل يمثّل امتداداً مباشراً لاستهداف الاحتلال التاريخي للمدينة، «لا مجرد استجابة لظرف أمني طارئ كما يدّعي»، وهو يتوّج «مساراً طويلاً من التضييق والخنق المتعمّديْن، بهدف إفراغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين وإعادة تشكيلها بما يخدم المشروع الاستيطاني».
وإذ يحمّل شرباتي الاحتلال «المسؤولية المباشرة» عن تفشّي ظاهرة انتشار السلاح، مؤكّداً أن «هذا الواقع لم ينشأ صدفة، بل كان نتيجة سياسة إسرائيلية واعية قامت على منع الأجهزة الأمنية الفلسطينية من العمل، وترك الفلسطينيين عرضة لتهديد الخارجين عن القانون»، فهو يبيّن أن «هذا الواقع الأمني المُصطنع شكّل أداة ضغط غير مباشرة دفعت بالكثير من الفلسطينيين إلى مغادرة المنطقة قسراً».
وينبّه كذلك إلى أن الحريق «الذي أشعلته إسرائيل يتمدّد ويتّسع»، بعدما بات المستوطنون أنفسهم يتذرّعون بما يسمّونه «الإزعاج» و«الخطر الأمني»، ويزعمون أن الرصاص المتطاير يطاول منازلهم، في ممارسات تسهم في تحريض حكومة الاحتلال وأجهزتها الأمنية على توسيع نطاق العمليات العسكرية.
وفي إشارة إلى «ازدواجية» معايير العدو، يؤكّد شرباتي أن الأخير «غضّ الطرف لسنوات عن انتشار السلاح، طالما أن الأخير موجّه ضد الفلسطينيين داخل مناطق تابعة لمنطقة (H2)، وخاضعة لسيطرته الأمنية الكاملة، قبل أن يعيد توظيف الظاهرة ذاتها اليوم، لضرب الوجود الفلسطيني في جنوب الخليل». ويخلص شرباتي إلى أن ما يجري ليس عملية أمنية، بل «سياسة اقتلاع واستهداف مباشر»، تستغلّ فيها إسرائيل الفوضى، لتبرير هجوم واسع على الفلسطينيين، وتحويل جنوب الخليل إلى منطقة خالية من سكانها الأصليين، «تمهيداً لتكريس السيطرة الاستيطانية الكاملة عليها».
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
