م.حسان نديم حسن
الذكاء الصناعي جعلنا نعيش أزمة ثقة حقيقة فما نشهده اليوم هو انتقال صامت من عالم كان ما نراه فيه هو ما حدث فعلاً إلى عالم لا يمكن فيه الوثوق بصورة و لا الاطمئنان إلى فيديو.
الذكاء الاصطناعي لم يضف أدوات جديدة فحسب بل كسر العلاقة القديمة بين الرؤية والتصديق وفتح الباب أمام فيض لا نهائي من المحتوى المصنوع بلا أصل ولا سياق.
لسنوات طويلة كانت الصورة وثيقة وكان الفيديو شاهدًا. اليوم نعرف أن كلاهما قد يكونان مجرد فبركة رقمية لا تمت بصلة لأي حدث حقيقي.
الخطر لا يكمن في التزييف بحد ذاته بل في سرعة إنجازه وكلفته المنخفضة وقدرته على الانتشار دون أي مقاومة تذكر . فلم يعد إنتاج الوهم يحتاج إلى مهارة أو وقت فقط أمر مكتوب و اتصال بالنت .
في هذا الواقع انهارت إحدى الركائز الأساسية للفضاء الرقمي و هي الثقة البصرية فالعين التي كانت أداة إدراك أصبحت نقطة ضعف. الإنسان مبرمج على تصديق ما يراه وهذه الغريزة نفسها تستغل اليوم على نطاق واسع سياسياً وإعلامياً واجتماعياً .
النتيجة عالم مشبع بالمحتوى وفقير بالمعنى الحقيقي و الأخطر أن هذا التحول لا يستهدف المستخدم العادي فقط بل ينسف أسس الصحافة ويشوّه الذاكرة الجماعية ويحول الحقيقة إلى رأي قابل للتفاوض.
حين يصبح كل شيء محتمل التزييف يفقد الصحيح قيمته ويصبح الكذب مجرد خيار آخر في سوق مزدحم.
أمام هذا المشهد يتغيّر تعريف الأصالة إذ لم يعد السؤال هل هذا المحتوى جميل أو مقنع ؟ أصبح من أنت؟ و ما تاريخك؟ و ما الذي يجعلك جديراً بالتصديق؟
الثقة تنتقل من الشكل إلى المصدر ومن الصورة إلى الهوية .
المرحلة القادمة ستجبرنا على الشك في أي محتوى و على التحقق و على التريث.
سنفقد متعة التلقي السريع و نستبدلها بوعي ثقيل لكنه ضروري. المنصات ستضطر إلى لعب دور لم تنشأ له أصلاً و هو فرز المصداقية لا مجرد ترتيب المحتوى .
لسنا أمام تطور تقني عابر لقد أصبحنا أمام تغيير في طريقة فهمنا للواقع نفسه ففي عالم المحتوى الاصطناعي اللانهائي لن تختفي الحقيقة لكنها ستصبح أندر و أثمن و أصعب ومن لا يدرك ذلك مبكراً سيغرق في خديعة لن تنتهي.
(اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
