آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » “عفيف أغا” صائغ الحجر وفينيق النحت السوري المعاصر

“عفيف أغا” صائغ الحجر وفينيق النحت السوري المعاصر

 

 

 

بقلم: علي نفنوف

 

في مشهد الفن التشكيلي السوري يبرز اسم النحات عفيف اغا بوصفه احد الفنانين الذين نجحوا في تحويل قسوة المادة الى لغة شاعرية نابضة بالحياة بين الحجر والخشب والرخام والاونكس لا يتعامل اغا مع الخامة بوصفها كتلة جامدة بل كجسد حي يخفي داخله روحا تنتظر من يحررها لذلك لم يكن لقبه صائغ الحجر توصيفا بلاغيا فحسب بل توصيفا دقيقا لحرفيته العالية ودقته المتناهية في صياغة التفاصيل حتى بدت منحوتاته اقرب الى مجوهرات نقشت في الصخر

 

عفيف اغا الانسان قبل الفنان

 

قبل ان يذكر اسم عفيف اغا كنحات تشكيلي بارز في المشهد الفني السوري يذكر بوصفه انسانا تاما خلوقا مهذبا محبوبا من الجميع من يعرفه عن قرب او من يلتقي به للمرة الاولى يلاحظ تواضعه وهدوء حضوره واحترامه للآخرين فهو قريب من اصدقائه بسيط في تعامله صادق في مشاعره ويترك اثرا انسانيا جميلا في كل مكان يحل فيه لا يتعامل مع الفن كوسيلة للظهور او الاستعراض بل كقيمة اخلاقية ورسالة انسانية تنبع من شخصيته قبل ان تتجلى في اعماله لهذا يشعر من يقترب من تجربته ان خلف المنحوتة انسانا يشبه اعماله في نقائها وصدقها وفي سعيها الدائم الى الجمال الداخلي قبل الشكل الخارجي

 

الجذور والبدايات من اوغاريت الى المعاصرة

يستند مشروع عفيف اغا الفني الى ذاكرة المكان السوري والى الارث الحضاري الذي تمثله حضارة اوغاريت الفينيقية بما تحمله من رموز واساطير مرتبطة بالبحر والخصب والانسان الاول غير ان الفنان لا يستدعي الماضي بوصفه شكلا جاهزا بل يعيد قراءته بلغة معاصرة محولا الرمز الاسطوري الى اداة تفكير في قلق الانسان الحديث واسئلته الوجودية

تعود بداياته الفنية الى علاقة مبكرة بالطبيعة اذ شكل البحر والحصى والاشكال الصغيرة منطلقا اوليا لتجربته قبل ان تتطور ادواته وخاماته ليصل الى النحت الاحترافي على الحجر والخشب والمعادن وقد عرف في بداياته بانجاز منحوتات صغيرة شديدة الدقة تحتاج احيانا الى التمعن في تفاصيلها ما يعكس مبكرا حسه الحرفي وقدرته على التعامل مع ادق المساحات

 

فلسفة العمل الغوص في الذات وحوار المادة والروح

 

تتمحور تجربة اغا حول الغوص في الذات بوصفه مسارا معرفيا وجماليا فالمنحوتة لديه ليست شكلا زخرفيا بل مساحة تامل تقيم حوارا بين المادة والروح وبين الكتلة والفراغ والنور والظل يرى الفنان في النحت وسيلة لتحرير الروح الكامنة داخل الخامة الخام ونقلها من واقعيتها الصلبة الى افق تجريدي وتاملي يعبر عن قضايا الانسان الوجودية

في اعماله يحضر البحر رمزا للعمق واللانهاية فيما يتجسد الجسد الانساني بصيغ مجردة او تعبيرية ككائن معلق بين الانكسار والرغبة في الخلاص هذا التوتر بين القسوة والليونة وبين الثبات والحركة هو ما يمنح اعماله طاقتها التعبيرية ويحول الصمت الكامن في الكتلة الى نبض بصري محسوس

 

الخامات والتقنيات من الحصى الى الحجر الضخم

 

يتنوع اشتغال عفيف اغا على الخامات بين الحجر والرخام والخشب والاونكس وصولا الى البرونز في بعض الاعمال وتتراوح احجام منحوتاته من قطع صغيرة دقيقة الى اعمال كبيرة يصل ارتفاعها الى مترين مع اهتمام واضح بتقنية تفريغ الكتلة من الداخل وابراز العلاقة العضوية بين الداخل والخارج

يلاحظ المتلقي توازنا محسوبا بين الواقعية المبسطة والتعبيرية ثم التجريد حيث لا ينفصل الشكل عن جذره الانساني حتى في اكثر صيغه اختزالا هذا التدرج الاسلوبي يمنح تجربته مرونة بصرية ويجعلها قادرة على مخاطبة متذوق الفن العام كما الناقد المتخصص

 

المعارض والمحطات حضور محلي ورسالة عابرة للحدود

 

لم تبق تجربة عفيف اغا محصورة في الاطار المحلي بل اتخذت بعدا عربيا ودوليا حمل رسالة ثقافية وانسانية واضحة فقد شارك في معارض فردية وجماعية داخل سورية واسس في اللاذقية صالة عرض دائمة لاعماله بما يشبه متحفا صغيرا يقدم خلاصة مسيرته وتحولاتها الاسلوبية

خارج سورية شكل معرضه في بيروت بعنوان بوح الحلم محطة مهمة للتعريف بتجربته عربيا فيما مثل معرضه فينيق الداخل في كييف نافذة على حضور النحت السوري في الفضاء الاوروبي بوصفه جسرا ثقافيا بين الشرق والغرب اما معرضه الاخير العبور في الشارقة فقد قدم فيه اعمالا من خشب الزيتون ركزت على ثيمة الرحلة الانسانية والانتقال من الالم الى الامل

 

القراءة النقدية صمت ينطق وحوار مع الانسان

 

تتفق القراءات النقدية والتغطيات الفنية على ان تجربة عفيف اغا تقوم على تحويل الصمت الى شكل وعلى بناء حوار بصري بين الانسان والمادة فالقيمة الفنية في اعماله لا تكمن في الحرفة وحدها بل في القدرة على تحميل الكتلة الصامتة معنى انسانيا وتامليا وعلى جعل المنحوتة قصة تقرا بقدر ما ترى

كما تلاحظ في تجربته معالجة لموضوعات اجتماعية وانسانية مثل التفكك والاغتراب والبحث عن الهوية وهو ما يظهر في بعض مجموعاته التي اشتغلت على فكرة الشتات والانفصال والعلاقة المعقدة بين الفرد ومحيطه هذه الثيمات حين تصاغ في الحجر والخشب تكتسب بعدا رمزيا مضاعفا اذ تتحول القسوة المادية الى مرآة لثقل الاسئلة الوجودية

 

خاتمة

يظل عفيف اغا فنانا يبحث عن نبض الصمت في الكتلة محولا الحجر الى لغة والخشب الى ذاكرة والفراغ الى مساحة تامل هو فينيق النحت السوري المعاصر ينهض من رماد القسوة ليصوغ من المادة الصلبة حكاية انسان لا يكف عن البحث عن ذاته ومعناه مقالته البصرية لا تقرا بعين واحدة بل تصغي الى ما تقوله الكتلة حين تنطقها يد صائغ يعرف كيف يحول الصخر الى قصيدة

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نحافة وائل كفوري تثير قلق جمهوره… والنجم مستمر في نشاطه الفني

أثار النجم اللبناني وائل كفوري جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد ظهوره الأخير في إحدى الحفلات، حيث بدا بنحافة ملحوظة لم يعتدها جمهوره. مقاطع ...