آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » عقلانية زائفة أم تشريع لأبواب أخطر؟

عقلانية زائفة أم تشريع لأبواب أخطر؟

 

عبدالله علي

تكشف الجرائم الكبيرة ولا سيما في لحظات التحوّل واللايقين، ليس فقط عن هشاشة الأمن، بل عن هشاشة اللغة التي تُستخدم لفهم ما يجري. فجريمة مشفى الكندي في حمص لم تكن مجرد حادثة عنف، بل لحظة كاشفة لطريقة إدارة الألم العام، وللحدود التي يُراد للفضاء السياسي ألا يتجاوزها. وفي مثل هذه اللحظات، لا يصبح سؤال: من القاتل؟ وحده كافيًا، بل يضاف إليه سؤال آخر لا يقلّ خطورة وهو: من يحق له أن يعبّر عن ألمه؟ وبأي أدوات؟

وأصبح معتاداً في سياق وقوع جريمة كبيرة أن يبرز خطاب أخلاقي مثاليّ باتجاه واحد، يدعو إلى التهدئة وضبط الانفعال وتجنّب الاحتجاج. ثمّ يُقدَّم ذلك بوصفه خيارًا “عقلانيًا” في مواجهة الخوف من الانزلاق إلى العنف. هذا الخطاب قد لا يخلو من نوايا حسنة عند بعض من يتبنّاه، لكنه يشقّ مسارًا مليئًا بالمغالطات وانقلاب المفاهيم؛ إذ يستبدل السياسة بالأخلاق، والحقوق بالفضائل، ويُعيد تعريف الفعل العام على أساس السلوك المقبول لا الحق المشروع.

ففي هذا الخطاب لم يعد يُنظر إلى الاحتجاج السلمي بوصفه ممارسة سياسية طبيعية، بل كفعل محفوف بالمخاطر، قابل للاستثمار، أو كخطأ تكتيكي يُفترض تجنّبه.

لكن الاحتجاج السلمي، تاريخيًا وسياسيًا، ليس انحرافًا عن النظام العام، بل أحد أشكال تأسيسه. وهو لا ينبع من الرغبة في الفوضى، بل من الشعور بالغبن، ومن إدراك جماعة ما أن حقوقها غير مصونة، وأن القنوات التقليدية للمساءلة إما مغلقة أو معطّلة.

وفي المراحل الانتقالية تحديدًا – حين يُفترض أن يُعاد التفاوض على العقد الاجتماعي – يصبح الاحتجاج السلمي أداة طبيعية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وبالتالي، فإن نزع الشرعية عنه، أو وضعه في دائرة الشبهة الأخلاقية، يعني عمليًا نزع السياسة من المجال العام، والإبقاء على مجتمع صامت ينتظر الحماية بدل أن يطالب بها. والمفارقة أن نتائج هذا المسار هي التي تشكّل تهديدًا حقيقيًا للسلم الأهلي، لأنها تترك المخاوف والمظلوميات تنمو في الظلام بلا أفق سياسي.

في سوريا، يُطلب من الفئات المتضرّرة أن تتحمّل الخوف بصمت، وأن تضبط غضبها باسم “المصلحة العامة”، من دون أن يُطرح بجدّية سؤال: من يحدّد هذه المصلحة؟ وعلى أي أساس يُطلب من جماعة تشعر بأنها مستهدفة، أو غير محمية، أن تمتنع عن التعبير السلمي عن مخاوفها؟ ولماذا يُنظر إلى الاحتجاج بوصفه تهديدًا، بينما يُترك الانفلات الأمني بلا مساءلة سياسية واضحة؟

ويبرز هنا تناقض إضافي، حين يُنظر إلى استخدام مصطلح “الإرهاب” في توصيف جريمة مشفى الكندي أو غيرها بوصفه إساءة أو وصمًا. فهذا ليس تناقضًا لغويًا فحسب، بل مؤشر على خلل أعمق: إذ يُطلب من الضحية الصمت، وفي الوقت نفسه يُخفَّف توصيف الفعل الواقع عليها بدل التشدد في تسميته.

ومع ذلك، فإن مصطلح “الإرهاب” ليس اختراعًا إعلاميًا ولا وصمًا طائفيًا، بل توصيف قانوني–سياسي تتبنّاه الحكومة السورية نفسها، وتستخدمه وزارة الداخلية في بياناتها، كما يشكّل أحد مرتكزات الخطاب الرسمي للدولة، بما في ذلك انخراطها في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. الإشكال، إذًا، لا يكمن في الكلمة، بل في تطبيقها الانتقائي.

فالتحفّظ على المصطلح بحجة الخوف من التعميم لا يحمي النسيج الاجتماعي، بل يفرّغ الجريمة من معناها، ويتركها معلّقة في منطقة رمادية تُخفّف من وقعها، وتُضعف الإحساس بالمسؤولية تجاهها.

ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عن معايير التعامل الأمني نفسها. لماذا نرى عمليات عسكرية مباشرة تُبثّ على شاشات التلفزة بذريعة القنص أو القتل، بينما تمرّ جرائم خطيرة في مناطق أخرى بلا ردود فعل مماثلة؟ هذا السؤال لا يُطرح للتجييش، بل لفهم منطق استخدام القوة: هل هو منطق موحّد تحكمه معايير واضحة، أم استجابات متغيّرة تخضع للحسابات والقراءات السياسية لكل منطقة على حدة؟ إن غياب الإجابة عن هذا السؤال يعمّق شعور الظلم، ويغذّي فقدان الثقة، ويدفع المجتمع إلى البحث عن بدائل غير سياسية للتعبير عن ألمه.

في المحصلة، لا يمكن لخطاب التهدئة، مهما بدا أخلاقيًا، أن يكون بديلًا عن الاعتراف بالحقوق السياسية الأساسية: الحق في الأمان، والحق في التعبير، والحق في الاحتجاج السلمي. كما لا يمكن للاحتجاج أن يُختزل إلى خطر يجب احتواؤه، بدل أن يُفهم بوصفه عرضًا لأزمة أعمق في العلاقة بين السلطة والمواطنين.

إن تسمية الجريمة باسمها، ومساءلة الفشل الأمني، وفتح المجال للفعل السياسي السلمي، ليست خطوات متناقضة مع الاستقرار، بل شروطه الضرورية. فالاستقرار الذي يقوم على الصمت هشّ بطبيعته، أما الاستقرار الذي يُبنى على الاعتراف والمساءلة والحق في الفعل العام، فهو وحده القادر على منع تكرار الجريمة، لا الاكتفاء بإدارتها أخلاقيًا بعد وقوعها.

(أخبار سوريا الوطن2-صفحة الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نحن ضحايا ووقود في حروب الآخرين..كفى كفى

  انس جودة قدر السوريين أن يعيشوا النزوح والتهجير لا كحدثٍ عابر، بل كحالة دائمة، وكجزء من ذاكرتهم الجمعية، بل من تعريفهم لأنفسهم. أصبحنا شعب ...