آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » على المدى القصير.. ما التداعيات الاقتصادية المحتملة للحرب ضد إيران بالنسبة لسوريا؟

على المدى القصير.. ما التداعيات الاقتصادية المحتملة للحرب ضد إيران بالنسبة لسوريا؟

عبد العظيم المغربل

لا يحتاج الاقتصاد السوري إلى صدمة كبيرة كي يختلّ توازنه، لأن المشكلة لم تعد فقط في حجم الأزمات التي يواجهها، إنما في هشاشة القاعدة التي يستند إليها أصلاً، لذلك فإن التصعيد العسكري الأخير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يُقرأ أيضاً كعامل اقتصادي مباشر يمكن أن ينتقل سريعاً إلى السوق المحلية عبر قطاعات الطاقة، والنقل، وسعر الصرف، والاستيراد، وسلوك التجار والمستهلكين.

في الاقتصادات الأكثر تماسكاً، قد تستغرق الصدمات الخارجية وقتاً قبل أن تنعكس على الداخل، أما في سوريا فإنها تميل إلى الظهور بسرعة أكبر، لأن الاعتماد على الاستيراد مرتفع، وهوامش الأمان المالية محدودة، والقدرة على امتصاص الارتفاع المفاجئ في الكلف ضعيفة، لذلك يمكن قياس أثر الحرب بما إذا كانت سوريا، لكونها على اتصال مباشر بسلاسل الطاقة والتجارة والتمويل، تتأثر فوراً بأي اضطراب إقليمي.

الطاقة أول من تأثر بالصدمة

أول ما يتأثر عادةً في أي مواجهة إقليمية واسعة هو ملف الطاقة، لأن النفط والغاز لا يتحركان فقط وفق العرض والطلب، بل أيضاً وفق تقديرات الخطر، وبالنسبة لسوريا، فإن هذا العامل أكثر حساسية من غيره، لأن الكهرباء والوقود ليسا قطاعاً عادياً يمكنه استيعاب تقلبات السوق بسهولة، بل نقطة اختناق يومية تمسّ النقل، والإنتاج، والتدفئة، والزراعة، والخدمات.

وقد ظهرت هذه الحساسية بالفعل مع إعلان وزارة الطاقة السورية، في 2 آذار 2026، خفض ساعات التغذية الكهربائية نتيجة تراجع واردات الغاز الطبيعي من الأردن، مع الإشارة إلى أن تدفقات الغاز توقفت أحياناً بسبب التصعيد الإقليمي، ما أدى إلى تعذر استمرار التوريد وفق الترتيبات السابقة، كما أن هذا التطور جاء بعد أسابيع فقط من توقيع اتفاق توريد الغاز بين سوريا والأردن في 26 كانون الثاني 2026 لدعم الشبكة الكهربائية السورية، ما يعني أن أي اضطراب في هذا المسار ينعكس سريعاً على التغذية الكهربائية.

وهنا لا يبقى أثر الحرب محصوراً في نقص الكهرباء نفسه، لأن تراجع التغذية يدفع الأسر والمنشآت إلى بدائل أعلى كلفة، مثل المولدات والوقود التجاري، ويزيد كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي، ومع أي ارتفاع موازٍ في أسعار النفط أو رسوم النقل، يصبح الضغط مضاعفاً من خلال كلفة أعلى للطاقة وتخديم أقل، وهو ما يخلق بيئة تدفع الأسعار إلى الصعود حتى قبل ظهور نقص فعلي في السلع.

حين ترتفع كلفة الطاقة، ينتقل الأثر إلى الاقتصاد كله؛ قطاع النقل يصبح أغلى، والتبريد والتخزين أغلى، وتشغيل الورش والمصانع أغلى، وتوزيع السلع بين المحافظات أكثر كلفة، وهذا ما يجعل الحرب الإقليمية في الحالة السورية مولداً سريعاً للتضخم، لا لأن كل السلع ستنقطع فوراً، بل لأن السوق ستعيد تسعير المخاطر قبل أن تعيد تسعير الكلفة الحقيقية، فالتاجر الذي يتوقع ارتفاع أجور الشحن، أو تأخر الشحنة، أو صعوبة تأمين الدولار، سيميل إلى رفع السعر مبكراً لحماية هامشه، والمستهلك الذي يتوقع موجة غلاء جديدة قد يندفع إلى الشراء المبكر، ما يضيف ضغطاً إضافياً على السوق.

وفي مثل هذا السياق، يتحول التضخم إلى موجة أوسع تمتد إلى الغذاء والدواء والمواد الأساسية، وتضغط أكثر على القدرة الشرائية، خاصة مع محدودية الدخل وتآكل الأجور، وهكذا تتحول الحرب الخارجية، حتى إن بقيت خارج الحدود السورية، إلى ضغط معيشي داخلي محسوس في تفاصيل الحياة اليومية.

سعر الصرف مرآة للقلق الاقتصادي

تنعكس الصدمات الإقليمية في سوريا بسرعة على سوق القطع، لأن سعر الصرف لا يتحرك فقط وفق المؤشرات الاقتصادية الصلبة، إنما أيضاً وفق مستوى الثقة والقلق والتوقعات، وفي أوقات التوتر، يرتفع الميل إلى الاحتفاظ بالدولار بوصفه ملاذاً أكثر أماناً، خصوصاً عندما تتزايد التوقعات بارتفاع فاتورة الاستيراد أو تعثر الإمدادات أو اضطراب التحويلات.

وتشير مؤشرات السوق المتداولة في مطلع آذار 2026 إلى تداولات قرب مستوى 11,760–11,800 ليرة للدولار في السوق الموازية، وهي مستويات تعكس أصلاً هشاشة سعر الصرف حتى قبل تبلور كامل آثار التصعيد، وعندما يُضاف إلى ذلك ارتفاع كلف الطاقة والشحن، يصبح الضغط على الليرة أقوى، لأن كل ضعف جديد في سعرها يرفع بدوره كلفة السلع المستوردة ويغذي التضخم مرة أخرى.

لهذا، فإن الخطر في المدى القصير لا يكمن فقط في انخفاض جديد محتمل في قيمة الليرة، إنما في الحلقة المتكررة التي تربط بين القلق، وارتفاع الطلب على الدولار، وارتفاع الأسعار، ثم تراجع إضافي في الثقة، وهذه الحلقة من أكثر ما يرهق الاقتصاد السوري، لأنها تنقل الصدمة من حدث إقليمي إلى سلوك يومي داخل الأسواق.

التجارة وسلاسل الإمداد

إذا كانت الطاقة هي القناة الأسرع للتأثر، فإن التجارة هي القناة الأوسع، فحتى لو لم تتوقف السلع مباشرة، فإن اضطراب الملاحة وارتفاع مخاطر الشحن يرفعان الكلفة، ويطيلان زمن الوصول، ويزيدان عدم اليقين بالنسبة للمستوردين، وسوريا، التي تعتمد على الاستيراد في جزء مهم من احتياجاتها، تتأثر هنا بأسعار السلع نفسها وبتكلفة إيصالها.

وأظهرت التطورات الأخيرة أن هذا الخطر لم يعد افتراضياً؛ إذ أفادت رويترز في 2 آذار 2026 بأن نحو 10 بالمئة من أسطول الحاويات العالمي كان عالقاً قرب مضيق هرمز بعد اضطرابات مرتبطة بالتصعيد، مع توقف حجوزات شحن إلى الشرق الأوسط وازدحام متزايد في الموانئ، فيما أشارت تقارير أخرى إلى تعليق أو تحويل مسارات سفن حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر المسارات المعتادة، وهذه التغيرات تعني كلفة شحن أعلى، وتأميناً أعلى، وتخطيطاً أكثر صعوبة للمستوردين.

وبالنسبة للسوق السورية، فإن ذلك ينعكس على مستويين: الأول في أسعار السلع المستوردة الجاهزة، والثاني في كلفة المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج الداخلة في الصناعة المحلية، وبذلك، حتى القطاعات التي تبدو محلية في ظاهرها قد تتأثر، لأنها تعتمد جزئياً على مدخلات أو قطع أو مواد قادمة من الخارج، ويُضاف إلى ذلك أن النقل البري مع الجوار، وخصوصاً عبر الأردن، كان أصلاً يمرّ بحساسية لوجستية وتنظيمية، وقد طالبت غرفة تجارة دمشق، عبر بيان، بإجراءات استثنائية بالفعل، ما يعني أن أي ضغط جديد على هذا المسار يزيد هشاشة حركة البضائع.

الرحلات الجوية وتعطّل الحركة الاقتصادية المرتبطة بها

لا تبدو الرحلات الجوية في الظاهر بنداً اقتصادياً يومياً مثل الوقود أو الخبز، لكنها في الواقع جزء من دورة أوسع تشمل السفر، والشحن الجوي، وحركة رجال الأعمال، والمرضى، والتحويلات المرتبطة بالتنقل، وحتى ثقة السوق نفسها، لذلك، فإن اضطراب الطيران يترك أثراً اقتصادياً غير مباشر، لكنه ملموس.

وقد أُعلن خلال الأيام الماضية عن تعليق رحلات الخطوط الجوية السورية حتى إشعار آخر، بالتوازي مع موجة أوسع من إلغاءات وتعليق رحلات في المنطقة، بما شمل شركات إقليمية ودولية ومسارات جوية متعددة، وهذا لا يعني فقط تعطيل السفر، إنما يضيف عنصراً جديداً من عدم اليقين، ويزيد كلفة التنقل، ويعقّد حركة الأفراد والبضائع التي تعتمد على المسار الجوي في بعض الحالات.

وفي اقتصاد متأثر أصلاً بضعف الربط المنتظم مع الخارج، يصبح أي تراجع إضافي في الاتصال الجوي عامل ضغط نفسي واقتصادي في آن واحد، لأنه يوسّع الإحساس بأن البلاد تعمل تحت كلفة أعلى، ومسارات أضيق، وهوامش حركة أقل.

التحويلات والمساعدات

لا يقوم الاقتصاد السوري على الإنتاج المحلي فقط، بل يعتمد بدرجة مهمة على التحويلات المالية من الخارج، وعلى تدفقات دعم ومساعدات متفاوتة الأشكال، في المدى القصير، قد لا تتوقف هذه التدفقات فوراً بسبب الحرب، لكنها قد تتأثر بفعل القلق، أو ارتفاع كلفة التحويل، أو إعادة ترتيب الأولويات المالية للأسر المقيمة في الخارج، أو انشغال الدول والجهات المانحة بملفات أمنية وعسكرية أكثر إلحاحاً.

ومن هنا، فإن أثر الحرب على هذا الجانب قد يكون أبطأ من أثرها على الوقود أو الشحن، لكنه يظل مهماً، لأن التحويلات بالنسبة لكثير من الأسر السورية جزء من التوازن المعيشي الأساسي، وأي تباطؤ فيها، حتى لو كان محدوداً، يعني ضعفاً إضافياً في القدرة على تحمّل الغلاء، وتراجعاً في قدرة السوق على امتصاص موجات الأسعار الجديدة.

بشكل عام، لا يُرجَّح أن يظهر أثر الحرب الإيرانية – الأميركية الإسرائيلية على الاقتصاد السوري في المدى القصير عبر انهيار مفاجئ أو تغيّر واحد منفصل، بل عبر سلسلة ضغوط متزامنة تبدأ بطاقة أقل استقراراً، وكلفة أعلى للوقود، وموجة تضخمية جديدة، وضغط متزايد على سعر الصرف، وشحن أبطأ وأغلى، وحركة جوية أكثر اضطراباً.

الخطر هنا ليس في كل عامل بمفرده، إنما في اجتماعها داخل اقتصاد محدود المناعة؛ فعندما تتراكم صدمة الطاقة مع صدمة النقل مع صدمة التوقعات، يصبح السوق أكثر قابلية لرفع الأسعار، وتصبح الليرة أكثر حساسية للقلق، وتصبح معيشة الأسر أكثر هشاشة في فترة قصيرة، لذلك، فإن الحرب، إذا استمرت أو اتسع أثرها الإقليمي، قد لا تحتاج إلى وقت طويل كي تُنتج أثراً سلبياً واضحاً داخل سوريا، لأن الاقتصاد السوري لا يواجه فقط أزمة طارئة، إنما يستقبلها من داخل بنية ضعيفة القدرة على امتصاص الصدمات.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مباحثات سورية هنغارية لتعزيز التعاون الاقتصادي وإنشاء مجلس رجال أعمال مشترك

بحث وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار مع القائم بأعمال سفارة هنغاريا اشتيفان جيولا شوش، سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين. وناقش الجانبان خلال الاجتماع الذي عقد ...