في أوقات الحروب والصدمات المتكررة، قد يلاحظ كثيرون أنهم لم يعودوا يتفاعلون مع الأخبار المأساوية كما في السابق. قد يشعر البعض باللامبالاة، أو بغياب المشاعر، أو بإحساس يشبه التجمّد الداخلي. هذه الحالة تُعرف في علم النفس باسم الخدر العاطفي، وهي تعني إغلاق المشاعر والأحاسيس كردّ فعل على الضغط المزمن.
يشير مختصون في علم النفس إلى أن هذا النوع من التجمّد العاطفي رد فعل طبيعي في الظروف القاسية. لكن الاستمرار طويلاً في حالة من السبات النفسي والعاطفي قد يكون مرهقاً، ما يدفع إلى البحث عن طرق تساعد على استعادة الإحساس بالمشاعر.
ووفق ما ورد في تقرير نشره موقع Rubryka، فإن هذه الحالة قد تظهر عندما يتعرض الإنسان لفترات طويلة من الضغط النفسي والصدمات المتكررة التي تتجاوز قدرة العقل على المعالجة.
كيف يتكيّف الدماغ مع الصدمات المتكررة؟
قبل اندلاع الحروب أو الكوارث الكبرى، غالباً ما يكون حدّ تحمّل الإنسان للألم النفسي أقل. لكن مع تكرار الأخبار الصادمة والأحداث المأساوية، تبدأ قدرة الإنسان على مقاومة الألم العاطفي بالازدياد.
إلا أن هذا التكيف له حدود. فعندما تتراكم المشاعر السلبية إلى درجة لا يستطيع العقل معالجتها، تبدأ آليات الحماية النفسية بالعمل. ومن بين هذه الآليات ما يُعرف بالتجمّد العاطفي، وهو أحد أشكال استجابة الجسم للضغط الشديد.
قد يحدث هذا التفاعل سواء كان الشخص يعيش في منطقة الحرب نفسها أو في مكان آمن بعيد منها. كما قد يظهر لدى من يشارك في القتال أو العمل التطوعي، أو لدى من يشاهد المآسي والأحداث الصادمة من بعيد.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
عند حدوث موقف مهدِّد أو صادم، تنشط منطقة في الدماغ تُعرف باسم اللوزة الدماغية (Amygdala). تعمل هذه المنطقة مثل نظام إنذار، إذ تُبلغ الجسم بوجود خطر.
عندها يفرز الجسم كمية كبيرة من هرمون الأدرينالين في الدم، ما يدفع الجسم إلى اتخاذ إجراءات لحماية نفسه.
لكن عندما تتكرر المواقف الخطرة مرات عدة، تبدأ اللوزة الدماغية بالتكيّف مع هذه الحالة، ويعتاد الجسم أيضاً على مستويات مرتفعة من الأدرينالين، إلى درجة قد تصبح هذه الحالة الوضع الطبيعي الجديد للجسم.
عندما يصبح التجمّد وسيلة للبقاء
من جهة، قد يساعد الخدر العاطفي على توفير الطاقة النفسية وتمكين الإنسان من تحمّل ظروف الحرب القاسية.
لكن من جهة أخرى، قد يؤدي هذا التجمّد إلى تراجع الإحساس بالخطر. ويمكن ملاحظة ذلك عند مقارنة سلوك الناس في بداية الحروب مع سلوكهم بعد مدة من استمرارها.
ففي بداية الأزمات، قد يهرع الناس فور سماع صفارات الإنذار إلى الملاجئ، بينما بعد مدة قد يتجاهل البعض هذه الإشارات ويواصلون حياتهم اليومية رغم المخاطر.
كما قد يجعل الخدر العاطفي الإنسان أقل حساسية تجاه ما يحدث حوله. فخلال الضغط النفسي الشديد لا تختار النفس ما الذي يجب حجبه، لذلك لا تُحجب المشاعر السلبية فقط، بل أيضاً المشاعر الإيجابية.
وعندها قد يشعر البعض بأن الحياة فقدت طعمها، وكأنها طعام بلا نكهة.
كيف يبدو الخدر العاطفي؟
قد يظهر الخدر العاطفي بطرق مختلفة لدى الأشخاص، لكنه غالباً يترافق مع مجموعة من العلامات النفسية والسلوكية.
ومن بين الأعراض الشائعة التي تشير إليها تقارير الصحة النفسية:
صعوبة الشعور بالمشاعر أو التعبير عنها
الشعور بالانفصال عن الذات أو عن الآخرين
الإحساس بالفراغ أو فقدان الحافز
فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت ممتعة في السابق
صعوبة الشعور بالفرح أو المتعة
الميل إلى العزلة
انخفاض التعاطف مع الآخرين
وقد يشعر بعض الأشخاص أيضاً بأنهم يراقبون حياتهم من الخارج، من دون القدرة على التفاعل الكامل مع ما يحدث حولهم.
تأثير الخدر العاطفي في العلاقات والحياة اليومية
قد يؤدي هذا التبلّد العاطفي إلى تراجع القدرة على التعاطف مع الآخرين أو الشعور بمشاعرهم، ما قد يؤثر في مختلف جوانب الحياة مثل:
العلاقات الشخصية
العمل
الدراسة
كما قد يجد الشخص صعوبة في الشعور بمشاعر إيجابية مثل الحب والفرح والإلهام والأمل، رغم أنها مشاعر ضرورية للاستمرار في الحياة.
ومن المهم أيضاً التذكير بأن المشاعر التي يتم كبتها لا تختفي تماماً، بل قد تبقى مخزّنة في الجسد وتظهر لاحقاً في شكل أعراض جسدية نفسية.
هل يمكن استعادة المشاعر؟
يؤكد متخصصون أن الحساسية العاطفية لدى معظم الناس تعود تدريجياً بعد انتهاء ظروف الضغط الشديد. ومع ذلك، قد يصاب بعض الأشخاص باضطراب ما بعد الصدمة، وقد يحتاجون إلى مساعدة متخصصة لإعادة التواصل مع مشاعرهم.
لكن في كثير من الحالات، يستطيع الإنسان استعادة توازنه تدريجياً من خلال خطوات بسيطة تساعد على إعادة الاتصال بالمشاعر.
طرق تساعد على كسر حالة التجمّد العاطفي
هناك عدة طرق قد تساعد على استعادة الحساسية العاطفية تدريجياً، منها:
السماح للنفس بالشعور
قد يساعد الاستماع إلى الموسيقى أو مشاهدة الأفلام المؤثرة على إطلاق المشاعر والتعبير عنها، ليس فقط بسبب الحزن، بل أيضاً بسبب الأمل أو مشاهد التضامن والإنسانية.
كما قد يلعب الضحك والفكاهة دوراً مهماً في التخفيف من الضغط النفسي، إذ تنتشر في أوقات الأزمات الكثير من النكات والرسوم الساخرة التي تساعد الناس على التعامل مع الواقع الصعب.
إعادة الاتصال بالحواس
يمكن استعادة الإحساس بالحياة من خلال الحواس الخمس: النظر إلى الطبيعة أو غروب الشمس، الاستماع إلى الموسيقى، تزيين المنزل، أو استخدام الروائح العطرية.
الحركة والتواصل الجسدي
الأنشطة الجسدية البسيطة، مثل الحركة أو لمس الأشياء أو التواصل الجسدي مع الأشخاص المقربين، قد تساعد على إعادة الإحساس بالحياة.
كما يمكن للأنشطة اليومية البسيطة، مثل تناول الطعام المفضل أو أخذ حمام دافئ أو قضاء وقت مع حيوان أليف، أن تعيد بعض الشعور بالراحة.
ممارسة التعاطف مع الذات
الاعتراف بالمشاعر من دون الحكم عليها قد يساعد في تقليل الضغط النفسي.
الحفاظ على نمط حياة صحي
النوم الجيد، والتغذية المتوازنة، والنشاط البدني قد تدعم التوازن النفسي.
الانتباه لاستهلاك الأخبار
التعرض المفرط للأخبار والصور الصادمة قد يزيد من التوتر، لذلك قد يكون من المفيد تحديد وقت محدود لمتابعة الأخبار والاعتماد على مصادر موثوقة.
الحفاظ على التواصل مع الآخرين
الانعزال قد يزيد من الخدر العاطفي، لذلك قد يكون من المفيد التحدث مع شخص موثوق ومشاركة المشاعر والتجارب معه. كثير من الناس قد يكتشفون أن الآخرين يمرون بالتجربة نفسها.
أهمية الحديث مع الأطفال عن مشاعرهم
الأطفال والمراهقون قد يتأثرون بشكل أكبر بالأحداث الصادمة. لذلك من المهم التحدث معهم عن مشاعرهم ومساعدتهم على التعبير عنها بالكلمات.
يمكن طرح أسئلة بسيطة مثل:
«يبدو أنك منزعج، هل تريد أن تخبرني لماذا؟»
«لاحظت أنك صامت في الفترة الأخيرة، هل ترغب في التحدث عمّا يزعجك؟»
كما يجب التأكيد للأطفال أن كل المشاعر طبيعية ومقبولة في مثل هذه الظروف.
عندما يعود الإحساس تدريجياً
يخشى كثير من الأشخاص الذين يعانون الخدر العاطفي أن تكون قدرتهم على الشعور قد اختفت إلى الأبد. لكن المتخصصين يؤكدون أن هذا ليس صحيحاً.
فعندما يختفي عامل الضغط المستمر، يبدأ الإنسان بالتعافي تدريجياً وتعود المشاعر بشكل طبيعي.
قد يبدو الشخص الذي يمر بهذه الحالة بارداً أو بعيداً من الآخرين، وهو ما قد يؤثر في علاقاته مع العائلة أو الأصدقاء. لذلك من المهم فهم ما يحدث بدلاً من تفسيره على أنه تجاهل أو عدم اهتمام.
تأثيرات جسدية محتملة للخدر العاطفي
قد يرافق الخدر العاطفي بعض الأعراض الجسدية أيضاً، مثل:
-ضعف المناعة
-اضطرابات الشهية
-اضطرابات النوم
-تشنجات العضلات والفك
-مشكلات في الجهاز الهضمي مثل الإمساك
هذه التفاعلات تُعد استجابات بيولوجية طبيعية للضغط الشديد.
إذا تدهورت الحالة الجسدية أو النفسية، ينصح الخبراء بطلب المساعدة الطبية أو النفسية من مختصين مثل الأطباء أو المعالجين النفسيين.
في النهاية، يؤكد المختصون أن الخدر العاطفي ليس علامة ضعف، بل هو أحد الطرق التي يحاول بها العقل حماية نفسه في ظروف قاسية. ومع مرور الوقت وتراجع الضغط النفسي، يمكن للمشاعر أن تعود تدريجياً، ويستعيد الإنسان قدرته على التفاعل مع الحياة من جديد.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
