آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » عنف التوليد في المستشفيات العامة.. انتهاك صامت لصحة النساء الجسدية والنفسية

عنف التوليد في المستشفيات العامة.. انتهاك صامت لصحة النساء الجسدية والنفسية

هدى الكليب

في غرف الولادة داخل عدد من المستشفيات العامة، لا تقتصر معاناة النساء على آلام المخاض وحدها، بل تمتد لتشمل ممارسات قاسية تُعرف بـ”عنف التوليد”، تتراوح بين الإهانة اللفظية والإهمال الطبي وانعدام الخصوصية، وصولاً إلى اتخاذ قرارات طبية مصيرية دون شرح أو موافقة واعية، هذه الانتهاكات، التي تجري غالباً بصمت، تترك آثاراً جسدية ونفسية عميقة على الأمهات وأطفالهن، في ظل غياب آليات مساءلة واضحة، وضعف الشكاوى، وتبريرات تُعزى إلى نقص الكوادر والتجهيزات.

وتشير شهادات نساء خضن تجربة الولادة في مشافٍ عامة بإدلب إلى أن عنف التوليد يتخذ أشكالاً متعددة، أبرزها التعنيف اللفظي والاستهزاء بآلام الحوامل، وترك النساء لساعات دون متابعة طبية كافية، عدا عن حالات انتهاك للخصوصية، حيث تُترك الأبواب مفتوحة أو تتواجد أعداد كبيرة من الكوادر والمتدربين دون مراعاة لكرامة وخصوصية المرأة.

تستعيد شيرين الطويل، البالغة من العمر 28 عاماً، تفاصيل ولادتها باعتبارها واحدة من أكثر التجارب إيلاماً في حياتها، ليس على المستوى الجسدي فحسب، بل النفسي أيضاً، تقول إن صرخاتها من شدة الألم قوبلت بالتوبيخ بدلاً من الدعم، إذ كانت القابلة تطالبها بالصمت وتقلل من معاناتها، معتبرة أن ما تشعر به أمر مبالغ فيه، وتوضح شيرين أنها تُركت وحدها لفترات طويلة من دون متابعة طبية حقيقية، في لحظة كانت بأمسّ الحاجة فيها إلى الطمأنة والرعاية.

وتتابع أن حضور الطبيبة لم يحمل معها شعور الأمان المنتظر، إذ فوجئت بإجراء شق جراحي أثناء الولادة من دون أي شرح مسبق أو محاولة لإشراكها في القرار، وحتى دون تخدير يُذكر، ما جعلها تشعر بالألم والعجز وفقدان السيطرة على جسدها، وبحسب شيرين، فإن آثار تلك التجربة لم تنتهِ بخروجها من المستشفى، بل ما زالت تلاحقها نفسياً حتى اليوم، وتزرع لديها خوفاً عميقاً من تكرار التجربة، إلى حد أنها باتت تستبعد فكرة الحمل مرة أخرى.

وتتحدث سارة عمران، وهو اسم مستعار حفاظاً على خصوصيتها، عن ولادتها الأولى بوصفها تجربة قاسية تركت لديها شعوراً عميقاً بالإهانة والانكسار.

تروي أن تعامل الطاقم معها اتسم بالتوبيخ العلني أمام نساء أخريات في غرفة الولادة، ما ضاعف من إحساسها بالضعف والعجز في واحدة من أكثر اللحظات هشاشة في حياتها، وتوضح أن طلبها بوجود والدتها أو أي مرافقة إلى جانبها قوبل بالرفض، لتجد نفسها وحيدة تماماً في مواجهة الألم والخوف.

وبحسب سارة، فإن شعورها بانعدام القيمة لم يكن عاطفياً فحسب، بل ترافق مع قلق متزايد على طفلها، إذ تأخر التدخل الطبي رغم تدهور حالتها، ما أدى إلى ولادته وهو يعاني من مضاعفات تنفسية استدعت متابعة طبية لاحقة، وتؤكد أن تلك اللحظات ما زالت حاضرة في ذاكرتها، باعتبارها مثالاً على كيف يمكن للإهمال وانعدام التعاطف أن يتحولا إلى عبء نفسي طويل الأمد على الأم والطفل معاً.

المساءلة والمحاسبة.. طريق استعادة الثقة

يعزو عاملون صحيون جزءاً من هذه الانتهاكات إلى النقص الحاد في الكوادر الطبية المؤهلة، والضغط الكبير على المشافي العامة نتيجة تزايد أعداد المراجعين وقلة الموارد، هذا ما قالته القابلة القانونية مرام الأحمد، التي تعمل في أحد مشافي التوليد في إدلب، وتتابع أن “الضغط الهائل وساعات العمل الطويلة يؤثران على الأداء، لكن ذلك لا يبرر الإساءة أو الإهمال”، وتشدد على أن غياب التدريب المستمر على الرعاية القائمة على الاحترام يفاقم المشكلة.

ومع ذلك، ترى أن نقص الموارد لا يمكن أن يكون مبرراً لانتهاك حقوق النساء، وأن احترام الكرامة الإنسانية لا يحتاج إلى تجهيزات إضافية بقدر ما يحتاج إلى سياسات واضحة وثقافة مهنية قائمة على المساءلة.

وتحذر من أن عنف التوليد لا ينعكس فقط على تجربة الولادة، بل يُخلف آثاراً بعيدة المدى، تشمل الاكتئاب التالي للولادة، واضطرابات القلق، وصعوبات الارتباط العاطفي بين الأم وطفلها، كما قد يؤدي الإهمال الطبي إلى مضاعفات جسدية خطيرة، سواء للأم أو للرضيع، ما يزيد من معدلات المرضى ويثقل كاهل النظام الصحي الهش أصلاً.

وفي هذا السياق، أكدت بتول الخضر، رئيسة شعبة الصحة الإنجابية في إدلب، على ضرورة الانتقال من الاعتراف بالمشكلة إلى معالجتها بشكل مؤسسي، وتوضح لصحيفة “الثورة السورية” أن آليات الشكوى يجب أن تكون متاحة وآمنة، بحيث تستطيع النساء أو أسرهن تقديم شكاوى إلى إدارة المستشفى أو الجهات المعنية دون خوف أو تعقيد، لافتة إلى أن من واجب إدارات المشافي إبلاغ الجهات المختصة، بما فيها وزارة الصحة والمنظمات الإنسانية الداعمة، عن أي حالات عنف أو إساءة تُسجل، لضمان المتابعة الجدية.

وتضيف الخضر أن محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات تمثل خطوة أساسية لإعادة الثقة، مؤكدة أن الإفلات من العقاب يرسخ ثقافة العنف، كما تشير إلى أهمية تدريب العاملين الصحيين، أطباءً وقابلاتٍ وممرضين، على مبادئ الرعاية القائمة على احترام الكرامة الإنسانية، وكيفية التواصل مع النساء الحوامل أثناء الولادة وما بعدها.

وتلفت رئيسة شعبة الصحة الإنجابية في إدلب إلى أن تشجيع النساء على الإبلاغ عن الانتهاكات يتطلب توفير بيئة آمنة وخالية من الوصم أو الانتقام، إلى جانب تعزيز الرقابة الدورية على المشافي والمراكز الصحية لضمان الالتزام بالمعايير المهنية، وتختم بالتأكيد على دور التوعية المجتمعية في تعريف النساء بحقوقهن الصحية، وبأن الولادة الآمنة لا تعني فقط النجاة الجسدية، بل أيضاً صون الكرامة والدعم النفسي.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بالتعاون بين مديرية الشؤون الاجتماعية وجمعية البتول: انعقاد ملتقى المنظمات الدولية مع المنظمات غير الحكومية في محافظة طرطوس

      ضمن حملة طرطوس مدينة حياة التي أطلقتها مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في طرطوس وبختام شهر العمل أُقيم امس على مسرح مديرية الشؤون ...