آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » عن استقواء السوريين بالخارج: إسرائيل ليست مُحرّماً

عن استقواء السوريين بالخارج: إسرائيل ليست مُحرّماً

 

عبد المنعم علي عيسى

 

مثّل انهيار نظام بشار الأسد زلزالاً جيوسياسياً من العيار الثقيل على امتداد منطقة غرب آسيا، ولربما لم، ولن، تسلم من هزاته الارتدادية أي من دول هذا الفضاء الأخير، وجلّ ما تعمل عليه فواعل إقليمية ودولية هو ضبطها، بحيث تأتي التداعيات عند حدودها الدنيا. فالفعل الذي شكّل مؤشراً إلى انهيار تفاهمات دولية نشأت منذ «الحرب الباردة» وظلّت قائمة لما بعدها في دلالة على قوة «التشبيكات» التي أقامها نظام الأسد الأب مع ذلك النظام، كان قد وضع المنطقة برمّتها في سياق إعادة هندسة لخرائطها عبر البوابة السورية، الأمر الذي أرخى بحمولاته على داخل سوري مُثقل بالكثير. ليجد النسيج المجتمعي لهذا الأخير نفسه أمام تحدّيات غير مسبوقة، ليس بمفاعيل «العامل الخارجي» فحسب، بل بمفاعيل نظامه الجديد الذي بدا أن وصفته الأبرز تقول بأن «ركب موجة التنازلات والدفع بها قدماً كفيلان بتعزيز حلم البقاء».

 

والوصفة، التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تأمين إطلاق يده في الداخل تمكيناً لذلك الوهم، راحت تتخذ في الآونة الأخيرة طبعات غير مسبوقة بعدما وجدت نفسها، في حمأة التهديد الوجودي، أمام خيار البحث عن «مظلة» خارجية للاحتماء بها. والفعل لم يكن يستثني أي «مظلة» حتى ولو كانت موسومة بـ«نجمة داود» في دلالة على نوعية «الغطاء» وأثمانه. فقد تجاوزته السلطة الراهنة تماماً، من دون أن يعني ذلك أن الأخيرة كانت الوحيدة في ذلك الفعل، فمثلها فعلت شرائح إثنية، أو مذهبية، وإن ظلّت هذه الأخيرة كما «الجزر» المعزولة في محيطها القريب، قبل أن تكون كذلك في البعيد منه.

 

بداية لا بد من التفريق ما بين استقواء نظام بالخارج على شعبه، واستقواء هذا الأخير على الأول بالفاعل نفسه. والفرق هنا غير ناجم بالضرورة عن الاعتبارات الوطنية التي جرى التوافق حولها في مرحلة محدّدة وبضوابط قادت إليها سياقات الأحداث، بل هو ناجم بالدرجة الأولى عن فكرة أن النظام، أي نظام، لا مناص من أن يحظى بـ«شرعية» من أي نوع كان، وهي كافية لتضعه في موقع القادر على «شرعنة» ذلك الفعل من عدمه وصولاً إلى إمكان تسويق فعل الاستقواء بالخارج وفقاً للظروف التي يراها موجبة.

 

ومن الممكن، في هذا السياق، الجزم بأن «النظام الاستبدادي» غالباً ما يبدي حالة إنتاج الاستقواء بالخارج لاعتبارات بنيوية تتعلّق بتركيبته أولاً، وهو ما يكون عبر طريقين اثنين: أولهما، امتناعه عن عمليات الإصلاح الوطني التي يخشى من أن تطبيقها سوف يقود حتماً إلى سراديب «المساءلة» والمحاسبة بغرض تحديد هوية المسؤول عن هذا «الخراب». وثانيهما، إبقاء الضغط المطبق على القوى الاقتصادية والاجتماعية بغرض تطويقها وعدم قدرتها على الانتظام في تيارات تسعى للمطالبة بالإصلاح.

 

والمؤكد هو أن نظام الأسدين، الأب والابن، كان يندرج تحت هذا النوع من الأنظمة، وإن كان ثمة تفاوت واضح بينهما لجهة «القدرة» و«الكفاءة» اللتين كانتا كفة الأول فيهما تميل لصالحه، وبدرجة لا تقاس، عن نظيرتها الثانية. لكنّ الثابت هو أن كلا النظامين كان قد نجح في خلق حالة «وطنية» من نوع ما، وقد استطاعت تلك الحالة المحافظة على نسيج المحرمات من التهتك بدرجة مانعة لحدوث «التشظي الهوياتي»، الذي كان من الواضح أن الوصول إليه إنما يمثّل هدفاً خارجياً بعيداً، مما تشير إليه عشرات الوثائق التي خرجت للعلن بعيد دخول الأزمة السورية مرحلة النار صيف عام 2011 فصاعداً.

 

يغفل المراهنون، على ضفّتي السلطة والشارع على حدّ سواء، أو هم لا يدركون على وجه التحديد، طبيعة السياسات الإسرائيلية القائمة في المنطقة

 

 

كانت أخطر التداعيات التي عاشها المجتمع السوري بعيد سقوط نظام الأسد هي حالة الضياع والتشتت التي ترافقت مع انقسام استقطابي سياسي تنافري لم يشهده المجتمع السوري على مرّ تاريخه، سواء أكان من حيث الحجم أم من حيث العمق. ومع الإرهاصات الكارثية لمحاولات تثبيت السلطات الجديدة لدعائمها، التي اقتضت حطّ رحالها الدموية في مناطق عدة ذات اعتبارية عرقية أو مذهبية محددة، باتت الخيارات عند هؤلاء من النوع الذي يقول بأن «التشظي» السوري يكاد يكون الخيار الوحيد القابل للحياة.

 

لكن التعاطي مع تلك المسألة كان متبايناً بين مناطق ثلاث لاعتبارات تتعلّق بتركيبتها أولاً، ثم تتعلق بطبيعة الفاعل الخارجي فيها ثانياً:

ففي الجزيرة السورية كان الاستناد إلى الدعم الأميركي الرامي للحصول على حيثية معينة أمراً يندرج في إطار ما تتيحه المعطيات الراهنة، وهو ما يمكن توصيفه بحالة مطلبية أشبه بـ«ما تحت الاستقلال»، وذاك الاستناد هو الذي حال دون بروز الاستقواء بالوكيل الإسرائيلي الذي أثبت «كفاءة» وقدرة على التدخّل خلال أحداث السويداء في شهر تموز 2025.

 

إلا أن تواتر الأحداث في الشرق، ومضي واشنطن إلى رمي «بيضها» كله في سلة السلطة السورية، كانا قد دفعا بإلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلى الظهور على قناة «i24 NEWS» العبرية معلنة عن أنّ «الخيارات الآن كلها مطروحة، بما فيها الخيار الإسرائيلي، إذا ما تكاملت شروطه».

 

أمّا في جبل العرب، فقد كان من الواضح أن ثمة تعويلاً كبيراً على أن سيناريو 15-16 تموز 2025، الذي شهد تدخلاً جوياً إسرائيلياً في السويداء وصولاً إلى قصف وزارة الدفاع والأركان في دمشق، هو الوحيد الكفيل بـ«حماية الذات»، أو الحصول على كينوية من شأنها الحفاظ على الهوية ومعرفاتها الوجودية.

 

وفي الساحل، الذي دخل هو الآخر مرحلة تحدّ وجودي هوياتي، فقد كان الأمر مختلفاً من نوع ما. وعلى الرغم من أن تل أبيب جهدت نحو مد جسور التواصل مع نخب وفعاليات فيه بغرض التأسيس لحالة «ثقافية مجتمعية» تتناقض مع تلك القائمة في السابق حيال النظرة لـ«الوجود» الإسرائيلي في المنطقة، إلا أن تلك الحالات ظلت معزولة، ولم تستطع رهاناتها الخفية على «الخيار» الإسرائيلي أن تكون سوى لحظة عابرة قادت إليها بواعث القلق في لحظة كان من المُقدّر لها أن تفعل أكثر.

 

يغفل المراهنون، على ضفّتي السلطة والشارع على حدّ سواء، أو هم لا يدركون على وجه التحديد، طبيعة السياسات الإسرائيلية القائمة في المنطقة، وما الذي تريده على وجه التحديد. فـ«وثائق التأسيس»، التي عرضت لها سلسلة مقالات للراحل محمد حسنين هيكل نشرتها جريدة «السفير» صيف عام 2000، تؤكد أن إسرائيل تريد لنفسها لعب دور «مظلة حامية» للهويات الفرعية، أو الكيانات الإثنية أو العرقية التي يجب أن تصير إليها سوريا في النهاية.

 

وبهذا المعنى يمكن الجزم بأن المشكلة الكبرى اليوم هي على ضفاف السلطة، التي تبدو ماضية في تنسيقها مع الولايات المتحدة وإسرائيل بآليات غامضة، لكنها لا تندرج حتماً في سياق ترتيب أمني سياسي، بل تتعداه إلى محاولة الاستقواء بهما احتكاراً لهذه الحالة. فالشارع السوري بغالبيته لا يزال يرى أن إسرائيل هي «أسّ الصراع» في المنطقة، وهي المشكلة، ولا يمكن لها أن تكون جزءاً من الحل، والشاهد هو أن اتجاهات الرأي العام لهذا الأخير تشير إلى أن معظم السوريين يرفضون الاعتراف بإسرائيل (انظر: المؤشر العربي)، والرفض هنا يقوم على تعريف مركّب لإسرائيل كدولة استعمار واستيطان واحتلال، وقوة توسعية تسعى إلى تفتيت المجتمعات العربية.

 

الآن، وفي ضوء ما تقدّم، ألَا تمثّل «التشبيكات» التي تقيمها دمشق راهناً مع دوائر صنع القرار في تل أبيب صيغة متطوّرة للاستقواء بهذه الأخيرة على الصيغ التي تقدّمت بها شرائح سورية بهذا الخصوص، مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة لا تزال تراوح خارج أطر التمرحلات التي تمرّ بها الذات الجمعية للسوريين، وبعيداً عنها؟

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أميركا الإبستينية

  بشار اللقيس   هل تحتاج أميركا إلى سياسات خارجية حقّاً؟ لا أحبّ عادة أن أبتدئ مقالاتي بعناوين مدرسية، وإن ألحّ علينا السؤال في كلّ ...