ملاذ اليوسف
«إن ما يقصد عادةً بالاستعمار الجديد هو وجود توجيه أجنبي ملحوظ لدولة مستقلة اسمياً. وهذا يعني بشكل أدق وجود درجة عالية من التأثير في الشؤون السياسية والاقتصادية لبلد ما من قبل دولة أجنبية أو مصالح تجارية أجنبية، ما ينتج منه أيضاً تأثير في النهج السياسي والسياسة العسكرية وبالإضافة إلى ذلك يستعمل هذا المصطلح ليشير إلى سيطرة ثقافة القوى الاستعمارية السابقة وقيمها» ـــــ هاري ماجدوف، «الإمبريالية من عصر الاستعمار حتى اليوم»
يحدّثنا ماغدوف، في كتابه المذكور، عن سوء حظ الولايات المتحدة ما بعد الحرب العالمية الثانية على اعتبارها الدولة الوحيدة من الدول المنتصرة التي لم تكن تمتلك مستعمرات خارج بلادها. هذا على عكس بريطانيا وفرنسا التي بقيت مستعمراتها لا بل وتوسعت. إلا أنه ومع انتشار الفكر القومي في العالم ككل، ما بعد الحرب العالمية الثانية، شهد العالم ثورات محلية في بلاد متعددة تطالب المستعمر بالرحيل ومعلنة انتهاء الاستعمار بشكله القديم (الاستعمار المباشر).
تلك البلدان انقسمت إلى نوعين كما يوضح ماغدوف:
النوع الأول، وهو الذي بقي مستعمراً لكن وفقاً لشكل جديد للاستعمار (استعمار غير مباشر). إذ إنه تم عبر ما يسمى «الإرث الاستعماري» وبأشكاله المتعددة، السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، بهدف الإبقاء على حالة الهيمنة، ولكن من دون وجود عسكري مباشر. هذه البلدان كان استقلالها اسمياً فقط كونها بقيت تابعة للبلاد التي استعمرتها سابقاً بشكل مباشر. حتى أنه لم تُرق الكثير من الدماء في تلك الثورات كونه جرى تسليم إدارة الدولة في تلك البلاد لطبقة محلية تدير البلد وفقاً لمشيئة البلد المستعمِر وبضغوط منه.
أمّا النوع الثاني من البلدان، فهي التي قامت فيها ثورات رفضت الاستعمار بشكليه القديم والجديد وقررت الخروج من فلك الرأسمالية والالتحاق بالمعسكر الاشتراكي، لدرجة أن معارك ضاريةً نشبت والكثير من الدماء سالت حتى استطاعت تلك البلدان أن تنال استقلالها فعلياً. ومن بعد تأكيد ماغدوف أن النظام الرأسمالي هو ليس تجميعة من دول إمبريالية متماسكة ومتحالفة في تحالف صلب، بل إن هذا التحالف قلق ويمكن أن ينفك، قرّر هذا التحالف الإمبريالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية محاولة إيقاف المد الشيوعي ومطاردة تلك البلاد المتفلتة من شبكة النظام الرأسمالي واستردادها عبر استخدام وسائل عدة هدفها تغيير الحكم فيها وتعيين حكم تابع للولايات المتحدة.
وكانت الوسائل المتاحة لتحقيق ذلك متعددة، فإمّا عن طريق الانقلابات العسكرية أو إشعال ثورات ملونة أو اغتيال قادة أو حتى عن طريق الغزو المباشر واعتماد الشكل القديم للاستعمار… إلخ. فتصبح هذه الدول بعد عودتها إلى الخريطة الرأسمالية في عداد دول «الإمبراطورية الأميركية غير الرسمية».
اليوم، تبدو تصنيفات ماغدوف ناقصة إذا ما أردنا قراءة الحاضر لاستشراف المستقبل. وأعتقد أنه في إمكاننا إضافة تصنيف جديد إلى التصنيفين السابقين (الدول المستقلة استقلالاً اسمياً والدول المستقلة استقلالاً فعلياً). هذا النوع الثالث، يضمّ طيفاً واسعاً من أشكال الاستقلال التي تراوح ما بين التصنيفين السابقين حيث يمكن تصنيف هذه الدول على أنها دول «مستقلة نسبياً». علماً أن هذا التصنيف لا يميّز بين ما هو اشتراكي وما هو رأسمالي. ورغم عدم إمكانية وضع قانون رياضي يمكننا عبره الوصول إلى نسبة رياضية لمعرفة درجة استقلال هذه الدول، إلا أن هناك الكثير من المعايير التي يمكن اتباعها لمعرفة مدى استقلال هذه الدول عن التبعية لمشيئة الولايات المتحدة، مثل: السيادة على قطاعات مهمّة وحساسة في الدولة، تحقيق السيادة الغذائية، امتلاك أسلحة نووية، دائنة أم مدينة؟ علاقتها بصندوق النقد الدولي وحجم المساعدات المقدمة لها… إلخ.
بالعودة إلى الولايات المتحدة وسياساتها الإمبريالية لتفكيك الدول المتفلتة من شباك النظام الرأسمالي، نرى اليوم أن مسألة تفكيك الدول لم تعد مرتبطة بمسألة الاستقلال الفعلي لتلك الدول، بل إن الولايات المتحدة مستعدة لتفكيك دول ذات استقلال اسمي وتدور في فلك الرأسمالية إذا ما تعارضت المصالح أو لم يعجبها سلوك ذلك الحاكم أو تلك الفئة. فما تهديدات ترامب بمنع المساعدات عن الأردن ومصر، في حال عدم قبول تهجير الفلسطينيين من غزة، إلا دعوة إلى تأزيم الأوضاع في تلك البلاد المدينة مالياً وصولاً إلى إحداث تغيير بما يتناسب والمشيئة الأميركية.
أمّا في ما يتعلّق بالكثير من الدول المستقلة نسبياً، فحدود الهامش السياسي الذي يمكن التحرّك عبره بالنسبة إلى هذا النظام أو ذاك، والذي يتيحه الاستقلال النسبي، يمكن التلاعب بمعاييره وبأدوات عدة أولها العقوبات الاقتصادية والطرد من النظام المالي وصولاً إلى رفع التعرفة الجمركية. فمن كان يعتقد أنه سيتم في الولايات المتحدة رفع التعرفة الجمركية على دولة تعتبر حليفة مثل كندا! وكنا قد قلنا سابقاً إن على هذا التصنيف (الاستقلال النسبي) ألّا يميّز بين رأسمالي واشتراكي كون التحالف الرأسمالي، كما يوضح ماغدوف، قلق ويمكن أن ينحلّ في أي لحظة كما نشهد انحلاله الآن في الانفكاك الأوروبي الأميركي.
في ما يتعلّق بمنطقتنا، ومن بعد تفكيك دولتي «البعث» في كل من العراق وسوريا، ومن بعد تهديدات ترامب للأردن ومصر بسحب المساعدات، وإذا ما استثنينا إيران المستهدفة سلفاً من قبل الولايات المتحدة، يبدو أنه لم يبقَ في المنطقة من تتعارض مصالحه مع إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة إلا تركيا المستقلة نسبياً والتي تمتلك هامشاً إقليمياً مهماً وخصوصاً من بعد هيمنتها الكبيرة على سوريا.
ورغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي حيث يمكننا اعتبار ذلك عاملاً يمنع التدخل الأميركي فيها لتغيير الحكم، إلا أنه قد يُفرض على حكومة «العدالة والتنمية» تقليص حدود الهامش السياسي. والتهديدات الأخيرة بفرض عقوبات اقتصادية في حال شُنّت عمليات على «قسد» في سوريا دليل على ذلك. وقد يُعمل، في حال عدم الانصياع، على تغيير الحكم فيها بوسائل عدة، وخصوصاً أن حلفاً تترأسه إسرائيل ويضم دولاً عدة في المنطقة يعادي حزب «العدالة والتنمية» ومعه جماعة «الإخوان المسلمين».
هذا من دون أن ننسى أن التناقضات التي يمكن عبرها إحداث تغيير في تركيا تتشابه مع التناقضات التي كانت موجودة في كل من العراق وسوريا. وما محاولة «العدالة والتنمية» التصالح مع حزب «العمال الكردستاني» إلا محاولة لترميم الثقوب التي يمكن عبرها إحداث تغيير في تركيا. فهل ستكون تركيا هي التالي بالنسبة إلى إسرائيل لدى النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة؟
* كاتب سوري مقيم في ووهان الصينية
أخبار سوريا الوطن١-الاخبار