هدى نصرالله
خلف هذا الصخب الرقمي الذي يشتعل تارة ويهدأ تارة أخرى، تبرز حقيقة مُرّة؛ وهي أن مآسي السوريين التي لم تُحلّ سياسياً أو حقوقياً بعد، تحوّلت إلى مجرد مادة للعرض الرمضاني، فيما بقي الأهالي وحدهم مع وجعٍ نُكئ من جديد، من دون اعتذار أو إنصاف.
سجالٌ ممتدّ؛ هكذا كانت الدراما السورية دوماً محطّ قراءات نقدية ونقاشات عميقة تجاوزت حدود الترفيه إلى صلب القضايا الاجتماعية وحتى الدينية، غير أن موسم رمضان الأول درامياً بعد سقوط النظام حمل زخماً مختلفاً؛ إذ انقسم الشارع السوري بحدّة: فريق يرى في دراما التغيير أرشيفاً وطنياً ضرورياً لتوثيق الفظائع، وفريق يرفض بشدة نبش جراح المغيّبين والمفقودين قبل إرساء قواعد العدالة.
هذا الاشتباك الرقمي أعاد طرح تساؤلات أخلاقية وحقوقية موجعة: هل تحولت الشاشة إلى منصة لترسيخ الذاكرة الجماعية، أم باتت فخاً لتسليع الأوجاع ونكئها في قلوب المكسورين؟
ويرتبط هذا السجال بجذر سياسي مشوَّه يعود إلى عام 2011، حين طوّع النظام المخلوع الدراما كأداة مباشرة لتطبيع إجرامه وتلميع صورته، ما جعل هذا الحقل الفني لسنوات ساحة خطابٍ ملوّث، واليوم، يجد السوريون أنفسهم أمام استيلاءٍ غير أخلاقي على سردية الضحية في توقيت شديد الحساسية.
فأن تُعرض قصص التعذيب وزنازين المعتقلين، وتُجسَّد المجازر في قالب درامي قبل تحقيق أي عدالة حقيقية أو إنصاف قانوني على الأرض، يحوّل فعل “التوثيق” المزعوم إلى نوعٍ من التمثيل بالواقع، ويكمن المأزق الأخلاقي في جرأة الدراما على كتابة نهايات فنية معلّبة لحقائق لا تزال فصولها مفتوحة في الواقع؛ ما يجعل المشاهد السوري يشعر بأن مأساته الشخصية قد حُوّلت إلى مادة للعرض الرمضاني تتنافس في سوق المشاهدات، بينما يبقى هو في عملية مستمرة للبحث عن نهاية عادلة تستعيد جزءاً من حقه وحقوق عائلات المفقودين والشهداء.
غياب المحاسبة والبديل المشوَّه يطفو
إن الدافع الحقيقي لهذا الاستلاب الدرامي هو غياب ملف العدالة؛ إذ يتحول هذا الفراغ القانوني والسياسي إلى وقود لمحركات التسليع التي لا تهدأ، ففي اللحظة التي يغيب فيها فعل المحاسبة، تندفع الشاشات لملء الفراغ، لا بهدف الإنصاف، بل كاستثمار في المادة الخام الأكثر رواجاً وتأثيراً: الوجع السوري.
وهنا ينتقل المشهد من حيز التوثيق النبيل إلى مربع المتاجرة الإعلامية والدرامية التي تفتقر إلى أدنى معايير الحساسية الإنسانية، وهو ما يجعلنا أمام حالة من الابتذال البصري.
وفي هذا السياق، تحدثت الناشطة الحقوقية وفا مصطفى لتعيد ترتيب المشهد من زاوية حقوقية وإنسانية بحتة؛ إذ تؤكد أن غياب ملف العدالة الناجزة منذ بداية التحرير هو المسؤول الأول عن حالة تسليع قضية المعتقلين والمتاجرة بها، وترى مصطفى أن انشغال المجتمع بالتريندات العابرة يغفل حقيقة موجعة، وهي أن السوريين يمشون يومياً فوق أرض قد يكون أحباؤهم ـ ومنهم والدها ـ مدفونين تحتها في أماكن مجهولة.
وتشير إلى أن الحديث عن “يوم حداد وطني” يبدو ترفاً مستحيلاً بالنسبة لكثير من الأهالي الذين لا يزالون في رحلة بحث مضنية لا تنتهي، ورغم مرارة هذا الواقع المادي والنفسي، ترفض وفا مصطفى أي شكل من أشكال الرقابة على حرية الأعمال الفنية، مؤكدة أن العدالة وحدها هي الضمانة القادرة على حماية قدسية الوجع السوري.
لطالما اشتبكت الدراما السورية مع تفاصيل الشارع، متجاوزة وظيفة التسلية لتصبح مرآة حقيقية لتحولات المجتمع وملاحمه الإنسانية العابرة للحدود، ومع مرور الزمن، تحولت هذه الأعمال إلى خزان للذاكرة الجماعية؛ ففيها حفظ السوريون لهجاتهم وعاداتهم، ومن خلالها عبّروا عن قضاياهم الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي شكّلت نبضاً أخلاقياً أصيلاً في نسيج الدراما، وهكذا أصبح الفن السوري محركاً للوعي وصديقاً وفياً للسوريين في اغترابهم النفسي والمكاني.
لكننا اليوم أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ طرأت تحولات جذرية على بنية المجتمع السوري، ما جعل الذاكرة المحفوظة في «علبة الدراما القديمة» تصطدم بصلابة المأساة الراهنة، وبينما ينظر السوريون إلى تلك الأعمال القديمة بنوع من الحنين الجارف، بوصفها مساحة للترفيه واستعادة ملامح الهوية المفقودة، يجدون أنفسهم في الوقت ذاته أمام صدمة واقعٍ تشظّى وتغيّرت موازينه، وهنا تتحول الذاكرة الدرامية إلى ما يشبه «فتات ملجأ» يلوذ إليه السوري بين الحين والآخر، بحثاً عن ملامح حياة لم تعد موجودة إلا على الشاشات.
هذا التحول العميق في الواقع السوري يضع صنّاع الدراما اليوم أمام مسؤولية تاريخية، فالمهمة لم تعد تتعلق فقط بتقديم «قصة»، بل بكيفية الحفاظ على دور الدراما كشاهد أمين على الواقع الجديد، من دون السقوط في فخ المتاجرة بالألم، ويكمن التحدي في إنتاج دراما تمتلك «بوصلة أخلاقية» قادرة على تمثيل الواقع المعاصر بصورة مسؤولة، تحترم قدسية الوجع وتوثّق التحولات الاجتماعية العميقة، بحيث تصبح أداة للتعافي وليس منصة لاستعراض الانكسار.
هوية «الموثّق» تحت المجهر
تظهر الدراما السورية اليوم في مربع أكثر حساسية، يتجاوز العرض الفني ليصل إلى جوهر «أخلاقيات التوثيق»، فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عرض الوجع، بل في هوية الموثّق ومنطلقاته، إذ يرفض قطاع واسع من السوريين ظهور «جواكر» الدراما السورية وكبار نجومها في أعمال تجسّد حقائق الثورة، بينما كانوا هم أنفسهم، وفي ذات السياق، ممن مجّدوا النظام المخلوع وشرعنوا أدواته لسنوات طويلة.
ولا تتوقف الإشكالية عند الممثلين فحسب، بل تمتد إلى المخرجين والكتّاب وحتى مؤلفي الشارات الذين طوّعوا فنهم لخدمة سردية النظام، وهذا ما يجعل من فعل «التوثيق» المزعوم أقرب إلى نوع من التمثيل بالواقع؛ أي تحويل العذاب الفعلي إلى مادة فنية تفتقر إلى الشرعية الأخلاقية، ومحاولة لغسل الذاكرة المهنية عبر «تطهّر» زائف بآلام السوريين.
ولعل أكثر ما يثير الاستفزاز في هذا المشهد هو سيادة خطاب التعالي وغياب الاعتذار الصريح من قبل هؤلاء الفنانين، فبدلاً من مراجعة المواقف السابقة، يلاحظ استمرار النبرة ذاتها التي تتجاهل تضحيات السوريين، وفي تصريح للفنان بسام كوسا ضمن برنامج «عندي سؤال»، تحدّث عن شعوره بـ«الخذلان»، غير أن هذا الخذلان بدا مشوّهاً؛ إذ لم يأتِ انحيازاً للثورة أو حزناً على الدماء المسفوكة، بل انحصر في فكرة «هروب بشار الأسد» من دون إخطار الدوائر المقرّبة منه.
هذا النوع من الخطاب يكشف أن «الحزن» لدى البعض لا ينطلق من التعاطف مع الضحايا، بل من شعور انكساري ناجم عن انهيار المنظومة التي كانت تحميهم وتمنحهم الامتيازات، كما أن غياب خطاب اعتذار صادق من غالبية الممثلين السوريين ـ باستثناء قلة قليلة جداً ـ يجعل من محاولاتهم الحالية لتمثيل الوجع السوري أشبه باستيلاء غير أخلاقي على سردية الضحية.
وفي هذا السياق، طرحنا بعض أسئلتنا على الفنان التلفزيوني والمسرحي نوار بلبل، الذي يمثّل صوتاً لم ينفصل عن نبض الشارع ولم يحتج إلى منصة اعتذار، لكونه جزءاً من هذه السردية منذ بدايتها، ويرى بلبل أن المشهد الدرامي السوري المعاصر يعيش حالة من «التخبط الطبيعي»، وهي ضريبة الانتقال المفاجئ من سطوة الرقابة الصارمة إلى فضاء واسع من الحريات لم يعتده الوسط الفني السوري من قبل.
وبحسب رؤيته، فإن هذا الارتباك والاشتباك الرقمي المحموم حول الأعمال الدرامية يمثلان مخاضاً عسيراً قد يحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل حتى تنضج التجربة وتستقر الأدوات الفنية.
وفي تشخيصه لعمق المأزق الذي تواجهه صناعة الدراما السورية، يطرح نوار بلبل ما يصفه بـ«ثنائية الكارثة»، حيث يجد السوريون أنفسهم اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستعانة بأسماء فنية محترفة تقنياً لكنها تفتقر إلى الموقف الأخلاقي الصادق تجاه الضحايا والمجازر، وإما الاندفاع نحو أعمال «ثورية» تفتقر إلى الجودة الفنية، وفي الحالتين، تضيع القضية بين ضعف الموقف أو ضعف الصنعة.
ويرى بلبل أن المخرج الحقيقي من هذه الثنائية يكمن في إعداد «ممثلين ثوريين» يجمعون بين الموقف المبدئي الراسخ والتدريب المهني العالي، بحيث يصبح الفن قادراً على نقل وجع المعتقلين بصدق يتجاوز برودة التمثيل التجاري.
كما يوجّه بلبل نقداً لاذعاً لاستمرار الدراما السورية في إعادة إنتاج صورة «الأزعر» أو «السرسري» بوصفه بطلاً شعبياً، معتبراً أن هذا النمط يمثل امتداداً لنهج قديم يبتعد عن نبض الشارع وقيمه، ومع ذلك، يثمّن حالة الجدل الدائر حول أعمال مثل «مسلسل قيصر» ـ وهو مشارك فيه ـ مؤكداً أن كسر الصمت الدرامي والبدء بطرح قضايا المعتقلين والمجازر يبقى، رغم كل العثرات، خطوة ضرورية في طريق استعادة الدراما السورية لدورها الحقيقي.
أمام هذا المشهد، يتضح أن الدراما السورية المعاصرة تعيش مأزقاً أخلاقياً مركباً، فبينما قد ينطلق بعض صنّاعها من نوايا «توثيقية» تهدف إلى حفظ الذاكرة، فإن هذه النوايا غالباً ما تنتهي إلى مأزق «تسليع الوجع»، والسبب في ذلك ليس تقنياً بقدر ما هو غياب «المرجعية الوطنية» التي تحمي حرمة هذا الألم.
في المحصلة، لا يمكن لـ«التوثيق النبيل» للثورة السورية أن يكتمل في ظل استمرار سياسة غضّ الطرف عن الجرائم، فالدراما لا تستطيع أن تمنح «براءة ذمة» أو «خواتيم مريحة» لمآسٍ لا تزال عائلات ضحاياها تبحث عن مفقوديها، إن استعادة الفن السوري لهيبته الأخلاقية، بوصفه المدونة الوجدانية والضمير البصري لحكايات السوريين، تتطلب أولاً موقفاً واضحاً من استحقاقات العدالة؛ عندها فقط يمكن للفن أن يكون أرشيفاً أميناً لجوهر القضية بعد إنصاف أصحابها، لا قناعاً لتجميل واقع مكسور أو التفافاً على حق السوريين في القصاص والحرية.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
