كتب محمد خير الوادي :
خلال نصف القرن المنصرم ، كتبت كثيرا من المقالات ” التعبوية ” ،التي تفضح الطبيعة العدوانية للصهيونية ، وتشحذ الهمم للتصدي لمخططاتها التوسعية . اليوم ، ساحاول في مقالتي هذه ، ان ارصد – بتجرد وواقعية – ما آل اليه المشروع الصهيوني في المنطقة ، بعد قرن وثلاثة عقود على انطلاقه ،وان اشاطر القراء الاكارم رؤيتي الخاصة لواقع هذا المشروع .
على الرغم من الانجازات الهائلة التي حققتها الصهيونية وكيانها خلال العقود الماضية ، الا انني اجزم ، ان المشروع الصهيوني قد وصل الان الى اعلى نقطة يمكن ان يصل اليها ، وانه لم يعد قادرا على المضي والارتفاع أكثر وفق الوتائر والصيغ السابقة نفسها ، وانه بدأ الان في مرحلة الانحدار ،لان القوة الدافعة له ،بدأت تفقد زخمها بسبب اهتلاك المحرك.
سأوضح هذا الامر باختصار شديد .
في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، كانت اوربا الاستعمارية تتحكم بالعالم . وفي ذلك الوقت تم تأسيس الحركة الصهيونية ، كاداة لخدمة المشروعات الاستعمارية الاوربية .ورغم التزاوج الذي تم بين الاستعمار والصهيونية، الا ان اوربا قد وجدت، ان مصلحتها تكمن في التخلص من المشكلة اليهودية ،عبر تصديرها الى المنطقة العربية ،واقامة كيان لليهود الصهاينة هناك . وقد اوكلت اوربا الاستعمارية للكيان الصهيوني عدة وظائف : منها التصدي لحركة التحرر الوطني العربي التي اشتد ساعدها آنذاك، ومنع العرب من الالتقاء والتوحد ، واشعال الفتن الطائفية والدينية في المجتمع العربي ، واخيرا حماية المصالح الغربية في تلك المنطقة . وبعد الحرب العالمية الثانية ، آلت زعامة الغرب الى أمريكا ، التي اضافت بندا جديدا لوظائف اسرائيل ـ هو مكافحة ما يسمى بالارهاب ، لا سيما العربي والاسلامي منه. ولتمكين اسرائيل من القيام بمهماتها هذه ، فتح الغرب خزائئه من المال والسلاح امام اسرائيل ، ووفر لها الحماية السياسية الكاملة . ونتيجة للدعم الغربي اللامحدود ، اصبح الكيان الصهيوني قوة كبيرة في الشرق الاوسط .
اليوم باتت الصورة مختلفة :فالاستعمار بشكله التقليدي اندثر ، والغرب انشطر الى اجزاء متناحرة ومتصارعة ، واوربا فقدت جل نفوذها العالمي ، وزعيمة الغرب – واقصد امريكا رفعت شعار امريكا اولا ، وهي تسير رويدا رويدا نحو الانعزالية . كما اعلنت واشنطن ،ان جل اهتمامها سيكون منصبا على نصف الغربي من الكرة الارضية . ثم ان الرئيس ترامب نفسه ،بات مشغولا بتوطيد اركان الترامبية في امريكا ، وتلميع اسمه كصانع سلام .
وقد افضت هذه التغييرات الى نتيجة هامة هي ، ان اسرائيل قد فقدت – بالنسبة للغرب – معظم وظائفها ، ولم يعد دعمها المطلق وحمايتها ،اولوية بالنسبة لمعظم العواصم الغربية . وبذلك تكون اسرائيل قد خسرت اهم شريان، يمكٌنها من الوجود والاستمرار .ومما زاد الطين بلة بالنسبة لاسرائيل ، ان الاعمال الوحشية التي اقترفها نتنياهو ، والاجرام الذي ارتكبته حكومة المتعصبين الصهاينة في غزة وفلسطين ، قد ازالت الغشاوة التي صنعهتا الدعاية الصهيونية عن اعين معظم شعوب الغرب ، وكشفت الجوهر العنصري الاجرامي لاسرائيل .ولذلك ، انطلقت مظاهرات عارمة ضد السياسة الاسرائيلية في مدن الغرب كلها، وطالب المتظاهرون بمحاكمة قادة الكيان الصهيوني كمجرمي حرب ، واصدرت المحكمة الدولية قرارا باعتقال نتنياهو . وآخر حلقة بهذا الخصوص ، ما جرى خلال زيارة الرئيس الاسرائيلي الى اوستراليا ، الذي وصل شبه خفية ، وغادر كالجرذ المرعوب ، خشية من غضب المتظاهرين واحتجاجاتهم . ثم ان تنتياهو الذي كان سابقا يسرح ويمرح كما يشاء في اوربا ، بات الآن يتحاشى التحليق في الاجواء الاوربية خوفا من الاعتقال . هذه الاحداث كلها ، احرجت الحكومات الغربية الداعمة لاسرائيل ،واقنعتها ،ان الكيان الصهيوني لم يفقد وظائفه فقط ، بل بات عبئا على الغرب كله . وبذلك انهار أهم ركن ارتكزت اليه اسرائيل خلال العقود الثمانية الماضية ، وهو الدعم الغربي اللامحدود.
اضيف الى ذلك ، مجموعة من التغييرات النوعية التي حدثت في المنطقة خلال الفترة القصيرة الماضية ، والتي اسهمت في تعميق ازمات الصهيونية . وهذه التغييرات هي :
اولا : اسرائيل لم تعد القوة العسكرية الوحيدة والمهيمنة في الشرق الاوسط . فالسعودية بات لديها جيش هائل مسلح باحدث الاسلحة الامريكية التي كانت ممنوعة على العرب . وتركيا تشغل اليوم موقعا متقدما بين الدول الكبرى المصنعة للسلاح ، وهي تصدر اسلحة الى نحو تسعين دولة في العالم . فضلا عن ذلك ، فان ظهور قوى عالمية جديدة كالصين وروسيا ، ادى الى كسرالاحتكار الغربي للسلاح في العالم ، وبات بالامكان الحصول على اسلحة متقدمة ليس من الغرب فقط . ثم ان التقدم العلمي والتقني ، لم يعد –كما كان في السابق – حكرا على اسرائيل وحدها ، بل نشهد نهضة علمية وتقنية عربية تغطي اغلب الدول العربية . بقيت الميزة العسكرية الوحيدة التي تتمتع بها اسرائيل ، وهي امتلاكها للاسلحة النووية . واعتقد ، ان انهاء الاحتكار الاسرائيلي في هذا المجال ،هي مسألة وقت فقط ، وهذا سيتم على ايدي السعودية وتركيا وايران .
ثانيا : لقد كان اللوبي الصهيوني يتحكم في السابق بشكل غير مباشر ،بمعظم الثروات العربية الموجودة في بنوك الدول الغربية . اليوم ،تغير هذا الوضع ، واصبحت الحكومات الوطنية العربية هي صاحبة القول الفصل بثرواتها ، وتستخدم هذه الثروات لتطوير بلادها ، وتعزيزنفوذها الاقليمي والعالمي . وليس من قبيل الصدف ، ان تكون دول الخليج العربي ،وجهة لاول جولة خارجية قام بها الرئيس ترامب . هو لم يذهب الى اسرائيل ، بل توجه الى الدول العربية الغنية ،وهذا بحد ذاته مؤشر على عمق الانقلاب الذي يجري في السياسة الخارجية الامريكية .
ثالثا : بقيت نقطة هامة بهذا الخصوص ، لا بد من الاشارة اليها ، هي انهيار منظومة ما سمي بالصمود والتصدي والممانعة ، والتي حمت فعليا اسرائيل خلال عشرات السنين ووفرت لها الامن والاستقرار . لقد تلطى النظام الاسدي ، ومن ورائه ايران وميليشياتها الطائفية ، خلف شعارات العداء لاسرائيل ومقاومتها . وقد ثبت ان الهدف الاساسي لتلك اليافطات كان ، تمكين النظام من ممارسة سياسة القمع والتدمير والقتل لشعبه تحت اقنعة معاداة اسرائيل .
ان سقوط منظومة ” التصدي والممانعة ” هذه ، شكل خسارة استراتيجية لاسرائيل التي اعتبرت نظام الاسد “هبة الهية لها”، وهي خسارة جسيمة تضاف الى مجموعة الانهيارات التي حلت باسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية .
رابعا : لقد تراجعت مشروعات وخطط السلام كلها مع اسرائيل، بسبب تعنت الصهاينة وعدم رغبتهم في السلام . فقد انهارت مبادرة السلام العربية ، وتراجعت الاتفاقات الابراهيمية ، وقضت اسرائيل على اتفاقات اوسلو . وكانت النتيجة ،انهيار فرص السلام العادل مع اسرائيل ، وازدياد القناعات الشعبية التي تقول، ان اسرائيل كانت ولا تزال جسما غريبا في المنطقة ، وان التعايش معها يبدو مستحيلا في ظل سياسة الحكومة الاسرائيلية الحالية . لقد فوتت اسرائيل فرصا ثمينا للقبول بها ، لكنها ابت وتكبرت ، وهي المسؤولة عن تدهور فرص احلال السلام ،وامكانية التعايش المشترك معها في المنطقة .لقد اغلقت اسرائيل بسلوكها العدواني ابواب اندماجها في الشرق الاوسط ،وآثرت ان تبقى غريبة معزولة مطاردة بلعنات ضحاياها ،وبكراهية شعوب المنطقة كلها ، تحيط بها خنادق الكراهية ودعوات الثأر.
هذه الوقائع جميعها تنبؤ بحقيقة واحدة :هي ان مصادر القوى الخارجية التي دعمت اسرائيل ،وغذت آلتها العسكرية والسياسية خلال السنوات الماضية ، باتت على وشك النضوب ، وان اسرائيل لم تعد قادرة – كما تدعي – ،على التحكم في المنطقة واداراة شؤونها ، وان بوادر ضعفها صادرت بادية للعيان . وكلنا يتذكر نداءات الاستغاثة التي وجهها النتن للرئيس ترامب ،لمساندة اسرائيل في العدوان على ايران .
هذه هو الواقع اليوم ، انه واقع يؤكد بداية ضمور المشروع الصهيوني وأفوله ، وتضاعف مشاعر العداء له في المنطقة والعالم.اما غطرسة نتنياهو وتبجحه وعتاده ،فلا تعدو ان تكون الحشرجات النهائية لذبول هذا المشروع الصهيوني . بالتأكيد هذه لن يحصل سريعا . ولكن عملية السقوط بدأت.
(أخبار سوريا الوطن2-مركز الوادي للدراسات الأسيوية)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
