رشا فرج
شكّلت الوسامة أحد عناصر أو شروط صناعة النجم في العالم العربي، والنجم المقصود به هنا هو الذي يتصدّر المشهد الفني، إذ فضلت شركات الإنتاج فنانين على أقرانهم بالشكل والجماهيرية. تمكنت بعض الأسماء من خرق هذه الشروط بخفة ظلّها وموهبتها البارزة، إلى جانب الخبرة والثقافة العالية في المهنة وشروطها الفنية والسياسية.
حضور يغلب شروط السوق
في سوريا التي تمكنت لسنوات من تصدّر المشهد الدرامي العربي بتقديم ألوان متنوعة من الدراما بعيداً من الرضوخ لشروط رأس المال، برز عدد من الشخصيات التي شكلت عماد الصنعة الدرامية القائمة على الموهبة والكفاءة بعيداً من الشروط الجمالية، وفي مقدمتها دريد لحام ورفيق دربه نهاد قلعي. تراجعت هذه الصنعة في السنوات السابقة حيث صار الحصول على دور البطولة يشترط امتلاك الممثل عدداً كبيراً من المتابعين على منصات التواصل وعلاقة ممتازة مع الإعلام، إضافة إلى الوجه الحسن. صفات توافرت ـــ إلى جانب الموهبة ـــ لدى قلّة كما في حالة بطل «مولانا» تيم حسن.
في المقابل، لم يتمكن الجمهور من تجاهل الكاريزما العالية للشرير العائد أخيراً من النفي السياسي إلى اللعبة الفنية: إنّه النجم السوري فارس الحلو مع وجهه الذي يكاد يخرج من الكادر بتعابيره المشبعة، وقد عمل مخرج المسلسل سامر البرقاوي على استثمارها مراراً بلقطات مقرّبة ترصد حركات وجه الحلو، وغلاظة ملامحه الآسرة، خصوصاً مع الصوت الذي يحمل عوجاً من الشارع. تشعر أنّ هذا الفنان بلحيته وشعره، لم تشذبه عشرات المنصات والفلترات، فخرج حقيقاً وواقعياً بشكل لم تعد العين العربية تصدقه، فحقّق النجاح الذي يسعى إليه، ما جعله يرسّخ مكانته كـ«شرير كاريزمي» على نحو يذكّر بتجارب نجوم عالميين.
من بين ردود الأفعال الكثيرة التي بدأ الحلو يحصدها مع عرض الحلقات الأولى من العمل: «15 سنة ونحن محرومين نشوف فارس الحلو على الشاشة بحضوره وأدائه المميز لأنه قال كلمة حق بزمن كان اللي يرفض ينحني يعاقَب بالغياب والنفي والتعتيم والنسيان»، فيما ذهب آخرون إلى التساؤل: «انتو أكيدين إنو فارس الحلو كان معارض مع الثورة؟»، في إشارة إلى إتقانه أداء شخصية العقيد المستبد «كفاح» بإحكام لافت، حتى شبّه بعضهم الشخصية بدور العقيد وينتر الذي أداه جيمس غاندولفيني في فيلم The Last Castle (2001).
المتة أصل التريند
في «مولانا»، يعود فارس الحلو إلى الدراما السورية بعد مرور 14 عاماً على الحرب. غير أنّ اختزال أسباب غيابه عن الشاشة بالحرب وحدها لا يبدو دقيقاً، إذ تقلّص حضوره تدريجاً عبر السنوات بأدوار أقل مساحة وتأثيراً، رغم النجاح الكبير الذي حققه في منتصف التسعينيات. ربما يعود ذلك إلى خيارات المنتجين، أو صعوبة احتواء فنان متفلّت من شروط السوق، وصاحب رأي سياسي واضح.
لم يكن «مولانا» التعارف الأول بين الجمهور وفارس الحلو، الذي عرفه المتابعون العرب عبر ثنائياته الناجحة، ولا سيما مع أمل عرفة في «عيلة خمس نجوم» (1994) للمخرج هشام شربتجي، بشخصية «فرحان» خطيب سمر. يومها، اشتهر بأداء اللهجة الحمصية، وبمصاصة «المتة» التي لا تفارق جيبه، حتى تحولت إلى علامة مرافقة للشخصية، وصارت حديث الناس بشكل يشبه اليوم «نصف الليمونة» التي يحملها تيم حسن في شخصية «مولانا جابر».
أتقن أداء شخصية
العقيد المستبد «كفاح»
بإحكام لافت
حققت شخصية «فرحان» انتشاراً واسعاً للحلو، مكّنه من أداء دور البطولة إلى جانب دريد لحام في المسلسل الكوميدي «أحلام أبو الهنا» (1996)، حيث أدى دور «إسماعيل كمخه» زميل أبو الهنا، الموظف البيروقراطي الكثير الثرثرة، القليل الإنتاجية، المحدود الأفق.
ويمكن نسب اللازمات الحركية والكلامية التي تشكل اليوم جزءاً من انتشار العمل على منصات التواصل إلى فارس الحلو الذي يواصل عدد من المتابعين حتى اليوم تقليد حركاته وأقواله في العملين السابقين سواء عبر حركة «فرك اليدين» تعبيراً عن الحماسة أو الطمع، وحرمة «المسح والضرب على البطن» تعبيراً عن النهم والجوع، أو اللازمات الكلامية مثل «الله يعدمني ياكي يا زهور».
المُعارض… صاحب مشروع وجائزة
ورغم النجاح الكبير الذي حققه في الكوميديا، فإن لفارس الحلو حضوراً ومشاركات بارزة خارج إطار الأعمال الساخرة. لمع نجمه درامياً في ذروة تألقه الكوميدي منتصف التسعينيات، عبر ثنائية ناجحة أخرى، لكن هذه المرة مع النجم أيمن زيدان، بدور «عبدوش الداشر» في المسلسل المأخوذ عن رواية حنا مينه «نهاية رجل شجاع» (1994).
وعبر السنوات، تمكّن الحلو من ترك بصمة في كل مشاركة درامية، مهما صغرت مساحتها. من ذلك دوره كبائع متجول في «لعنة الطين» (2010 ـــ تأليف سامر رضوان ـ إخراج أحمد ابراهيم أحمد)، ودور الأب الطبيب في «تخت شرقي» (2010 ــ نص يم مشهدي وإخراج رشا شربتجي)، رغم محدودية مشاهده في العملين.
وبفضل إمكاناته الفنية، استطاع الحلو أن ينوّع في الأدوار التي قدّمها بين الكوميديا والدراما، فبرع في النمطين معاً. كما كانت له مشاركات مهمة في السينما السورية، تُوّجت بحصوله على جائزة أفضل ممثل من «مهرجان فالنسيا الدولي» في إسبانيا عن دوره في فيلم «علاقات عامة» (2007) إخراج سمير ذكرى.
عام 2006، أسس مشروعه الثقافي «ورشة البستان للثقافة والفنون» الذي هدف إلى تنشيط الحراك الثقافي عبر ملتقيات فنية وورش تعليمية للأطفال. صودرت الورشة عام 2014 بموجب مذكرة قضائية شملت معارضين ومنشقين وفنانين، بينهم الحلو الذي أعلن تأييده للثورة السورية عام 2011، وتعرّض للاعتقال قبل أن يُفرج عنه ويسافر إلى فرنسا إثر تهديدات متواصلة.
بعد سقوط نظام بشار الأسد، عاد الحلو ليستعيد ورشته، ويستعد لاستئناف العمل فيها، مع تركيز على الأطفال المتضررين من الحرب. ويبدو أنه جاهز لاستعادة نجوميته أيضاً.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
