في خضمّ ما هو أشبه بـ«انقلاب» أميركي على المقترحات التي بنيت على أساسها هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، وتمسّك إسرائيل، من جهتها، باستكمال الحرب في لبنان وتقويض أيّ فرصة للتهدئة، يصبح من غير المستغرب أن تطغى وجهات النظر السلبية، في عواصم العالم كافة، في شأن مصير المفاوضات الأميركية – الإيرانية المرتقبة.
وفي أعقاب محاولة واشنطن التهرّب من الرواية الإيرانية والباكستانية حول كون الهدنة تشمل «الجبهات كافة، بما في ذلك لبنان»، وإعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في مقابلة مع شبكة «PBS»، أن لبنان «خارج الاتفاق»، خلقت هذه التقلّبات ما بات يصفه مراقبون غربيون بـ«فجوة لبنان»، والتي تخاطر بإسقاط الهدنة، أو، في الحدّ الأدنى، جعلها «هشّة ومؤقتة».
وطبقاً لموقع «ذا كونفرسيشن» الأسترالي، ففي حال لم تتمكّن الولايات المتحدة من إقناع إسرائيل بوقف أعمالها في لبنان، فإن «وقف إطلاق النار سينهار». وقدّر الموقع أنه مع بدء المفاوضات من أجل التوصّل إلى اتفاق «أكثر استدامة»، فإن قضية لبنان سوف تصبح نقطة خلاف رئيسة، وهو ما يرجع، جزئياً، إلى أن «مقاومة إسرائيل والولايات المتحدة ليست مفيدة سياسياً لإيران فحسب، بل هي في جوهر هوية النظام الإيراني ووجوده».
وأشار المصدر نفسه إلى أن إحدى السمات الرئيسة في نهج ترامب في الشرق الأوسط هي أنه ليست لديه «مصلحة حقيقية في حلّ القضية الأساسية المتمثّلة في مكانة إسرائيل في المنطقة، أو فهم الجذور التاريخية للصراع، جنباً إلى جنب أن الولايات المتحدة تبدو غير مهتمّة بمعالجة القضايا المستعصية في قلب التوترات في الشرق الأوسط». وعلى الأرجح، فإن ما يشغل بال ساكن البيت الأبيض، في اللحظة الراهنة، هو عدم شعبية حربه داخل الولايات المتحدة، وانخفاض معدلات تأييده إلى مستوى قياسي، واستمرار الصراع لفترة أطول مما توقّعه الكثيرون، مما قد يدفع به، على الأغلب، إلى التراجع وإعلان «النصر»، وترك الوضع الذي كان قائماً في المنطقة قبل الحرب على ما هو عليه إلى حدّ كبير. وهذا ما يفسّر اعتباره خطّة إيران، المكونّة من عشر نقاط، والتي «لم تكن جيّدة بما فيه الكفاية في السابق»، بمثابة «أساس عملي للتفاوض».
من جهتهم، رأى معلّقون آخرون أن واشنطن لم تترك الشرق الأوسط والعالم «كما كان عليه»، بل في وضع «أسوأ». وفي هذا السياق، أشارت مجلة «فورين أفيرز» الأميركية إلى أن العديد من تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار لا تزال «غير واضحة»، كما أن «فرص صموده» ليست أكيدة، لاسيما وأن الحرب التي بدأت بدعوة من ترامب إلى تغيير النظام، تترك حالياً الأخير في مكانه، بل و«أكثر جرأة وأكثر ثقة في قدرته على الصمود من أيّ وقت مضى».
وفي مقابلة صوتية مع المجلّة، تؤكد سوزان ميلون، نائبة رئيس «مؤسسة بروكينغز» ومديرة برنامج السياسة الخارجية فيها، أن النتيجة حتى الآن جاءت كما «تتمناها» إيران، مشيرةً إلى أن قدرة الأخيرة على الاستمرار في السيطرة على مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب، ستكون بمثابة إعادة تغيير استراتيجي كامل لموازين القوة في الشرق الأوسط، معتبرة أن الحرب تخلّلها «سوء حسابات جوهرية» حول قدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود؛ إذ كان ترامب يتوقّع أن تستسلم الأخيرة وتنهار على نفسها، وذلك على الرغم من أن التقديرات الاستخباراتية التي كانت متوفّرة لدى الإدارة «حذرت بالفعل من أن الضربات لن تسقط النظام». وجرّ سوء التقدير المشار إليه، بحسب المصدر نفسه، واشنطن إلى وضع «يصعب الخروج منه».
من خلال المواقف «الاعتباطية» التي أطلقها، كان ترامب يزيد الضغط «على نفسه» لا على إيران
في المقابل، كانت تقديرات صنّاع السياسة الإيرانيين حول قوة واشنطن العسكرية والاقتصادية دقيقة، وهم كانوا يتحضّرون، مسبقاً، لجولة جديدة، ويعلمون أن قوتهم تكمن في قدرتهم على الصمود والمقاومة؛ وهذا ما جعل الأمور تسير بسلاسة «مفاجئة» على مستوى القيادة والتنسيق في إيران، على الرغم من «حجم الضربات». ولم يكن الردّ الإيراني، بحسب المصدر نفسه، وحده من أجبر ترامب على البحث عن طريقة للخروج من الحرب، بل أيضاً جملة المواقف التي دأب على إطلاقها اعتباطياً منذ بداية القتال، حيث كان يزيد الضغوط «على نفسه» لا على إيران.
وحول مصير الهدنة، تلفت ميلوني إلى أنه لا يمكن الحديث عن اتفاق يشبه الاتفاق النووي لعام 2015، والذي تطلّب سنوات من المفاوضات، وتوقُّع أنه يمكن إنجازه في أسبوعين فقط. وحتى لو كان الهدف التوصّل إلى «مبادئ مناسبة للطرفين»، فإن هذه المهمّة ستكون صعبة، نظراً إلى التباعد بين خطة الـ10 نقاط الإيرانية، والـ15 نقطة الأميركية.
وعليه، سيكون من الصعب، على الأغلب، الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار، على الرغم من أن التبعات الاقتصادية المترتبة على استكمال القتال تجعل الطرفين مهتمَّين بالتوصل إلى نتيجة إيجابية. وفي ما يتعلّق بردة الفعل الإسرائيلية على الهدنة الأخيرة، يُرجع العديد من المراقبين «التفلت» الإسرائيلي إلى عدم الاتساق بين تطلّعات واشنطن وتل أبيب من الحرب، والتكاليف المترتّبة على كلّ منهما في حال الانسحاب منها، من دون تحقيق أهدافها.
وفي هذا السياق، يفيد تقرير نشره معهد «تشاتام هاوس» بأن رفض إسرائيل أن تشمل الهدنة لبنان، وسعي دول الخليج إلى الحصول على ضمانات بأنها لن تظلّ معرَّضة لضغوط متكرّرة على بنيتها التحتية وطرق الشحن، والتشكيك الإسرائيلي المستمر في أيّ ترتيب يترك قدرات إيران الصاروخية والنووية والإقليمية من دون حلّ… جميعها قضايا لا يمكن «حلها بسهولة في غضون أسابيع». ومن هنا، ومع استمرار القوات الأميركية في تعزيز وجودها في المنطقة، وخطر تجدّد التصعيد الذي لا يهدأ، تظلّ هناك إمكانية حقيقية لعودة التوترات إلى الظهور، سواء من خلال المزيد من التهديدات، أو استمرار الضغوط على المضيق، أو الحاجة إلى تمديد المفاوضات «إلى ما بعد الإطار الزمني الأولي».
ويحذر أصحاب الرأي المتقدم من أنه في حال ركزت المحادثات في إسلام آباد على الأولويات الأميركية والإيرانية فحسب، فقد تنجح في تحقيق استقرار في «الأزمة المباشرة»، وتترك، في المقابل، النظام الإقليمي الأوسع هشّاً، وعرضةً للتصعيد المتجدد.
وتتجاوز التبعات المحتملة لأيّ اتفاق، الشرق الأوسط وحده، بعدما أسهم استخدام الولايات المتحدة للقوة في تقويض «القانون والنظام» الدوليين، وتسميم العلاقة بين واشنطن وحلفائها – الذين رفضوا التورط في حرب «اختيارية» -، وإثارة مخاوف الشركاء الآسيويين على خلفية نقل أنظمة الدفاع الجوي إلى الشرق الأوسط، والذي أدى إلى تقويض مصداقية الضمانات الأمنية الأميركية بشكل أكبر. يُضاف إلى ذلك، أن إصرار إسرائيل على أن عملها العسكري في لبنان ليس جزءاً من الاتفاق يُظهر حدود قدرة الولايات المتحدة على «إدارة حلفائها». وفي حين لن تنفصل دول الخليج، من جهتها، عن الولايات المتحدة، إلا أنها «ستعيد تقييم علاقاتها الأمنية مع واشنطن».
من جهتها، تفيد شبكة «بي بي سي» البريطانية بأنه في حين أن لدى كلّ من إيران والولايات المتّحدة أسباباً «قوية» لإنهاء الحرب، فإن مواقفهما المعلنة «متباعدة تماماً»، مشيرة إلى أن وصف نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، أخيراً، لوقف إطلاق النار بـ«الهدنة الهشة»، هو «تقييم واقعي». ويردف التقرير: «سواء كان الباكستانيون قادرين على التوسط للتوصل إلى اتفاق دائم عندما يسافر الجانبان إلى إسلام آباد أم لا، فإن الحرب وعواقبها تعيد بالفعل تشكيل الشرق الأوسط»، عازياً ذلك إلى أن تعهّد ترامب ونتنياهو بأن «تغيير النظام قادم»، لم يتحقق، لا بل إن النظام الذي قالتا إنه سيسقط سوف يصبح الآن شريكاً كاملاً في المفاوضات، ويعمل، حالياً، على تعزيز موقفه، بعد أسابيع قليلة فقط من مطالبة ترامب إياه بـ«الاستسلام غير المشروط». ويتخوف أصحاب الرأي المتقدم من أنه من غير الواضح ما إذا كانت محادثات إسلام آباد ستختلف عن محادثات جنيف، التي تخللها عدوان أميركي – إسرائيلي مباغت على الأراضي الإيرانية، منوّهين إلى أن الصين كان لها دورها في الفترة التي سبقت وقف إطلاق النار، وهو ما يعني، ضمنياً، أنها «سوف تتمتع أيضاً بنفوذ قوي في محادثات إسلام آباد»، ما من شأنه أن «يعزز نفوذها في الشرق الأوسط».
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
