بول مخلوف
يعود الحديث عن الهزّات والزلازل والصفائح التكتونية رغم كموننا في خريطةٍ مهددة بالتقسيم الجغرافي، والفدرلة، وسبق أن عرفت المحو السكاني والمكاني بفعل الإبادة.
عرضٌ جديد وصل إلى السوق الإعلاميّ. إلى جانب الحروب «الأبوكاليبسية» المروّج لها، باتت الهزّات الأرضية، والزلازل والصفائح التيكتونية المتحركة مواد إخبارية يومية، معطوفةً على تقارير من محررين يحذّرون فيها من انشقاق الأرض التي «ستفتح» لتبتلعنا.
هل قلت أزمة زلازل؟
الخبير الجيولوجي طوني النمر، نفى في حديثٍ صحافيٍّ كل المزاعم والافتراضات القائلة إنّ لبنان يشهد «أمراً غير اعتياديّ»، وإنه داخلٌ في «أزمة زلازل» نفياً قاطعاً. بيد أن كلام الخبير الجيولوجي لا يلقى رواجاً، وكأن الكلام المعرفيّ لا يؤخذ على محمل الجدّ فيما يستمر الحكي المتداول بأنّ الزلازل قادمة، لا محالة.
الهزات التي يحذّر بعض وسائل الإعلام من وقوعها، ليست في جوهرها، هزّات أرضية بقدر ما هي هزات إعلامية، مصدرها المتشدّقون على الإفك والقيل والقال، بغرض الذبذبة وبثّ الذعر والخوف، أو ببساطة إلقاء «طعم الحُنق» بالمعنى الأوكسفورديّ في الفضاء العام.
تبدو النمائم الواردة في هيئة أخبار تتناقلها «غروبات» واتساب العائلة، وفي منصات إعلامية أقرب ما تكون إلى دكاكين، فضلاً عن حسابات «خبراء» على مواقع التواصل الاجتماعي، هي الهزّات الضاربة فعلاً. ولو قيست على مقياس ريختر، لبلغت أعلى درجة.
فالأخبار المتواترة لا تتحدث عن زلزالٍ قادم إنما تقدّمه بوصفه حدثاً حتميّاً، فتغدو «الزلزلة» حالة قائمة، تسبق الخضّة الحقيقية التي يحدثها ارتجاج الأرض. هكذا يقع المرء في الشرك بعد تناوله الطُعم الملقى: زلزال على وشك الحدوث؛ فيغدو تصفح الأخبار، ومتابعة «أعداء المعرفة»، إدماناً لا شفاء منه.
عرّاب التنبؤات يعيّدنا في السنة الجديدة
الحديث عن الهزّات والزلازل عاد إلى الواجهة في مطلع هذا العام، وتحديداً في اليوم الأول من هذه السنة. ففي منتصف ليل اليوم الأخير من السنة الفائتة، وقعت بالفعل، هزّة أرضية خفيفة، وقد شعر بها بعض (التشديد على بعض) سكان بيروت.
في البدء، لم يعرها هؤلاء الذين أحسّوا بها اهتماماً، ومرّ الحدث على نحوٍ طبيعي، كما ينبغي أن يمرّ، إذ لا داعي للتذكير بأنّ الهزّة الأرضية، في النهاية، ظاهرة طبيعيّة.
لكنّ أياماً قليلة مضت حتى تغيّر كل شيء. ما حدث كان كالآتي: قبل وقوع تلك الهزّة الأرضية التي لم تتجاوز الثلاث درجات بثماني ساعات، كان «العالم» الهولندي، عرّاب التنبؤات بالهزات الأرضية، فرانك هوغربيتس، قد توقّع حدوث هزة أرضية ستضرب لبنان. هذا الخبر، الذي ساد بعد حدوث الهزة، كان كفيلاً بإحداث خضّة شعورية لم تحدثها الأرض لحظة اهتزازها.
بفضل فرانك هوغربيتس إذن، عاد شبح الهزات والزلازل يطارد شعب لبنان المهزوز العظيم من جديد. وبفضل هوغربيتس صار «اللاخبر» في المعيار الصحافيّ خبراً أساسياً، لدى إعلامٍ مختصّ بأخبار التنجيم ويبني مهنيته على «التوقعات». لم ينته الشهر الأول من هذه السنة وأخبار الهزات تتدفق بلا انقطاع. غالبية هذه الأخبار شائعات. أما بعضها القليل، فعُدّ دائماً بأنه «لا خبر». لذلك لم يكن ينشر لأنّ لا إفادة فيه ولا معنى له. ذاك أنّ هزّات أرضية تراوح بين درجتين أو ثلاث على مقياس ريختر، لا داعي للتذكير بأنها ظاهرة طبيعية.
ينتشر «الخبر» على «غروبات» واتساب العائلة، وفي منصات أقرب ما تكون إلى دكاكين
الرجل الذي صادف أن أصاب «توقّعه» الزلزال المروّع الذي ضرب تركيا وسوريا، وامتدت ارتداداته إلى لبنان، يرتبط اسمه بتلك الذكرى المشؤومة، ويستحضر كابوسها.
بسبب «توقعه» الصائب ذاك من بين عشرات توقعاته الأخرى الخائبة، بات كثيرون يتابعونه على إكس (علماً أن تويتر حاول إغلاق حسابه في السابق لأنه اعتُبر من المروجين للأخبار الكاذبة) طلباً للطمأنينة وللتأكد بأنّ الأرض لن تبتلعه في الليل، وحجز لنفسه مكاناً كوكيل حصري يزوّد وسائل الإعلام بالبضاعة المرجوّة. هوغربيتس الذي يقدّم نفسه بديلاً من العلم، حيث السيسمولوجيا أي علم الزلازل والأرض هو علم محدود وعاجز عن معرفة ما إذا كان سيحدث هزّة أو زلزال، يدّعي أنه «فوق علمي» وأنّ ما يقوله علم.
أحد نجوم هذا العصر، مثل مهاتما «التنمية الذاتية»، ورهبان «اللايف كوتش»، ووعاظ «الفيغن» وغيرهم؛ يزعم أنه يمتلك نسقاً ومنهجاً علمياً خاصاً على قاعدة أخرى عن «الواحد زائد واحد تعادل الاثنين»، يعني إيبستيمولوجيا «إيزوتيركية» (سحرية) إن أردت، أي علماً زائفاً.
في الأيام القليلة الماضية، نشر العالم المزيّف، واحدة من «خرائطه» القميئة الساذجة، يزعم فيها أنّ زلزالاً هائلاً يلامس الثماني درجات على مقياس ريختر، سيضرب لبنان وسوريا مصدره فالق البحر الميت.
فرضية هوغربيتس تقوم على مقارنة تقنية بين صدوع زلزالية في مدينة لوس أنجليس وبين صدع في البحر الميت. افتراض يدرس الجغرافيا كلّها بوصفها كلّاً واحداً، هكذا، من صحراء سيناء إلى جبال الألب، من ملح البحر الميت إلى حبيبات السكر في لوس أنجليس، يغدو الصخر والتراب والهواء شيئاً واحداً، والملح يصير سكراً عند… «العالم» الهولندي.
التروما التي يجب تجنّبها
فرانك هوغربيتس هو التروما التي يجب تجنّبها. اسمه المرتبط بحدثٍ جلل خلّف وراءه تشققات وصدوعاً لا تزال ارتداداتها حاضرة في الذاكرة. في فراغٍ يتركه العلم وراءه، يندفع الهولندي الأشقر لملء المساحة، طارحاً نفسه إسعافيّاً لزلزال لا أحد يعرف متى يحدث أو إلى أيّ مصيرٍ سيمضي.
عالمٌ مزيّف، مستثمر في الكوارث، «بروكر» في سوق الخوف. هو يؤدي الدور الذي تُتقنه وسائل الإعلام التي تشتغل مثله: إبقاؤك مشدوداً إليه، كالآثم المرتبط بكرسيّ الاعتراف، أو مثل ذاك الذي يتربّص بنشرة الأحوال الجوية لمعرفة كيف سيكون الطقس في الغد. هكذا تدخل إلى حسابه كما لو كنت تتصفح موقعاً إخبارياً، وتتابعه كما لو كنت تنقر على روابط الأخبار، تطلب النجدة كما لو كنت تتابع ما يحدث في محيطك، فخريطة الإنذار الذي ينشرها تشبه خريطة الإخلاء الأدرعيّة، وهذه اللعبة برمتها اقتصاد زاخر تنجم عنه أرباح.
الاستثمار في الخوف
«ادعاء» تحكيم العقل في ما هو لا معقول أصلاً، طرح الدواء فيما الخطاب المقدّم هو الداء؛ الاستثمار في الخوف إذاً. أن ترسم تهديداً وجودياً ثم تُبقي المتلقّي (المرء) معلّقاً، لا يدري إلى أين سيفضي مصيره، إذا كان الزلزال سيقع وهو في فراشه أو في سيارته أم في المرحاض، ثمّ تقول له: اقرأني كما تفعل وسائل الإعلام، أو تابعني وابقَ في حسابي لمعرفة آخر المستجدات، كما يفعل فرانك هوغربيتس.
علماء الزلازل والخبراء في دراسة الأرض يؤكدون أنّ الهزّات الأرضية، واردة الحدوث في منطقتنا، بيد أنّ تاريخ رصدها يثبت أنها لا تقع دورياً، بل تظهر مرات محدودة في خضمّ عقود طويلة. بعض الهزّات طبيعيّ، وبعضها الآخر مصطنع، وفرانك هوغربيتس ومن معه مثل وكالات أخبار النمائم هم الهزّة التي ينبغي تجنّبها. من الجيّد التفريق. هناك ما يكفي للهلع فعلاً: المسيّرات الحربيّة في السماء، حركة الطيران المريبة في ساعات الليل، ومستعمرون يستعدّون لتقسيم الخريطة، وشّق الأرض وابتلاعنا. فلنترك الهزّ إلى وقته حين يجيء، إذا جاء.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
