دكتور عبد الله جودة
عبر التاريخ، ظهر حكام طغاة جمعوا بين الثروة والسلطة، ونظروا إلى أنفسهم ككائنات فوق البشر. فرعون موسى الذي قال “أنا ربكم الأعلى” لم يكن مجرد مستبد عادي، بل كان نموذجاً للقائد الذي جمع بين الهوس بالسلطة، والغرور المفرط، والاعتقاد بأن القوانين لا تنطبق عليه ويؤمن بان القوة تصنع الحق وليس العكس .
ونحن نرى اليوم التشابه بين شخصية فرعون وشخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فكلاهما تميز بخصائص متشابهة :
أولاً: النزعة التسلطية، كما قال فرعون “ما أريكم إلا ما أرى”، فإن ترامب اشتهر بعبارته “أنا فقط أستطيع إصلاح ذلك”. كلاهما نظر إلى نفسيهما كمخلصين وحيدين، وأن المعارضة ليست سوى تخريب وتآمر.
ثانياً: بناء الذات كأسطورة، فرعون لم يكتف بأن يكون حاكماً، بل ادعى الألوهية. ترامب بنى أسطورته كرجل أعمال لا يقهر، وصاحب الصفقات الناجحة “لمسة ميداس” التي تحول كل ما تلمسه ذهباً. كلاهما أحاط نفسه بهالة من العظمة فوق النقد.
ثالثاً: ازدواجية المعايير، فرعون كان يطبق القانون على الرعية لا على نفسه. وترامب يعتبر ان الانتخابات ليست صحيحة وهو الفائز دائما ، لا تطلب تغيير القوانين، بل أرسل القاضي إلى الجحيم”. كلاهما يتعامل مع المؤسسات كعقبات يجب تحطيمها، لا كضمانات يجب احترامها والحفاظ .
رابعاً: خطاب الخوف والتهديد، “إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد” هكذا برر فرعون اضطهاده لبني إسرائيل. ترامب بنى خطابه على التهديد: المهاجرون “المجرمون”، والعرب “الإرهابيون”، والصينيون “اللصوص”. كلاهما استخدم الخوف كوقود لسلطته وتفرد بحكمه.
خامساً: الحاشية المطيعة، كما أحاط فرعون نفسه بهامان والحاشية التي تطيع وتزين له ما كل يريد، أحاط ترامب نفسه بمستشارين يرددون كلماته ولا يعترضون ومن يرفض يطرد فورا . والمفارقة ما بين فرعون والسامري من تشابه
في القصة القرآنية، لم يكن السامري مجرد عابد عجل عادي، بل كان صانع فتنة عظيمة. استغل غياب النبي موسى عليه وعلى نبينا السلام ، وجمع الحلي، وصنع عجلاً جسداً له خوار، فقال “هذا إلهكم وإله موسى”. أخرج بني إسرائيل من عقيدة التوحيد التي جاء بها موسى إلى عبادة مادية بهرجها بريق الذهب. وما فعله السامري قديماً، يفعله بنيامين نتنياهو اليوم مع الصهاينة في دولة الكيان الصهيوني.
أولاً: إخراجهم من دولتهم المزعومة والموعودة( كذبا )كما أخرج السامري بني إسرائيل من عقيدة التوحيد، أخرج نتنياهو إسرائيل من مفهوم “الدولة الطبيعية” التي تسعى للاندماج والتعايش، إلى فكرة “الدولة المحاربة” التي لا أمن لها إلا بسيفها. جعل من إسرائيل قلعة عسكرية تحارب في كل الاقليم لا دولة طبيعية.
ثانياً: عبادة القوة (العجل الجديد)، العجل القديم كان من ذهب، وعجل نتنياهو هو “القوة المطلقة”. جعل الإسرائيليين يعبدون الأمن والعسكرة والردع، متناسين أن الدولة الحقيقية تُبنى بالسلام والاقتصاد والثقافة، لا بالدبابات والطائرات فقط.
ثالثاً: حروب بلا نهاية ، فهو يحارب الجميع ، حصار وحرب متقطعة مع غزة منذ 15 عاماً ، صراع دائم مع لبنان وحزب الله ،تهويد وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية والقضاء على الاتفاقيات مع الفلسطينيين ، ضربات متكررة في سوريا ، وأخيراً، المواجهة المفتوحة مع إيران . وهذا هو الخطأ القاتل (خطأ التقدير الاستراتيجي ) فإيران الدولة التي يحاربها نتنياهو اليوم ليست وليدة لحظة، بل حضارة تمتد لآلاف السنين. اخطئ السامري بتقديره انه يستطيع ان يبدل دين موسي كما كرر الخطأ نتانياهو باعتقادي انه يستطيع كسر إيران والسيطرة على المنطقة وبناء إسرائيل الكبري.
السامري عوقب بأن عاش منبوذاً “فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس”. فهل عقوبة نتنياهو أن يعيش منبوذاً في التاريخ، متّهماً بأنه قاد إسرائيل إلى التفتت والهلاك والفناء ويلاحق جنائيا ويسجن.
فالتاريخ لا يعيد نفسه، ولكن أحداثه تتشابه، والمطلوب هو الاستفادة من التجارب البشرية والقصص القرآنية ، الذي وقف في وجه فرعون هو النبي موسى عليه السلام، والذي نبذ السامري ونسف عجله هو النبي موسى عليه السلام. ونحن اليوم، لكي نقف في وجه ترامب وننسف كيان نتنياهو، يجب أن نكون عباداً لله حقاً، حتى يتحقق فينا قول الحق سبحانه: “وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ” [الأنبياء.
ربما يكون التشابه الأعمق في النهاية المأساوية التي تنتظر الطغاة. فكما غرق فرعون وجنوده في البحر، يجد ترامب نفسه اليوم غارقا ومخنوقا في مضيق هرمز وكما لم ينفع فرعون إيمانه في لحظات الغرق لن ينفع ترامب وقف الحرب التي لن تعيد لأمريكيا هيبتها واحترامها وقيمة قوّتها المزعومة ،وكأن العدالة الإلهية أو البشرية تتربص بكل من يتجاوز حدوده.
لم تكن هذه الحرب ضرورية بحكم الواقعية والتاريخ والجغرافيا. فالواقع يشير إلى أن النظام الإيراني منهك بفعل الحصار والأزمات المتلاحقة؛ اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. أما التاريخ فيعلّمنا أن أمة ايرانية وشعب فلسطيني وأمة عربية وإسلامية تمتد جذورها لآلاف السنين لا تُهزم بهذه السهولة. والجغرافيا السياسية تعمل لصالح هذه الامم.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال المهم هل كانت ملفات إبستين هي الدافع الحقيقي وراء قرار ترامب لبدء الحرب، رغم تناقضه مع كل معطيات الواقع والتاريخ والجغرافيا ؟
أنا حال العرب فلا واقعية لهم وهم خارج التاريخ وجغرافي تهم مجزئة مجتزاه، ولن يتحول العرب من المفعول به، إلى فاعل في مجريات التاريخ حتى يفيق الجميع فالتاريخ ليس للقراءة فقط بل كي يصنع، فهل يصنع العرب تاريخ يليق بجغرافيا لها واقع وحاضر ومستقبل مشرق.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
