كتب محمد خير الوادي :
تعالوا احدثكم باختصار ، عن الضربة الامريكية لفنزويلا، وعن السبب الاساسي ، الذي دفع ترامب لاختطاف الرئيس مادورو. بالتأكيد ، هذا السبب لا يكمن في النفط – رغم اهميته – ،ولا في تجارة المخدرات المزعومة . هناك مسألة اخرى اكبر واعمق ، سابينها الان .
بعد ان جاء الرئيس شي الى السلطة في الصين عام 2012، اطلق مبادرتين هامتين لتوسيع نفوذ الصين في امريكا اللاتينية . الاولى ، هي مبادرة الحزام وطريق الحرير . وخصص الرئيس الصيني مئات المليارات من الدولارات، للانفاق على اقامة مشروعات صينية في تلك القارة . وقد انضمت عشرون دولة من القارة اللاتينية الى تلك المبادرة . والمبادرة الثانية حدثت عام 2015 ، وتجلت في تأسيس منتدى التعاون بين الصين ودول امريكا اللاتينة . وقد انضمت ثلثا دول امريكا اللاتينية الى ذلك المنتدى . وبآن واحد ، كثفت بكين جهودها لبناء اضخم طرق تجارية ،تربط الصين بقارة امريكا الاتينية . فقد مولت الصين عشرات المشروعات لبناء السكك الحديدية والطرق السريعة ،التي تربط الداخل بموانيء التصدير على سواحل امريكا اللاتينية ، وسيطرت شركة صينية على دارة قناة بنما ،من خلال اتفاق مع الحكومة المحلية . كما انهت الصين العمل عام 2023 في بناء اكبر ميناء في امريكا اللاتينية ، هو ميناء تشانكاي ذي المياه العميقة في البيرو ، والقادر على استقبال الناقلات الصينية الضخمة ،التي تحمل كل منها عشرات الالاف من الحاويات . كما قدمت الصين مئات المليارت من القروض لدول المنطقة ، واستثمرات عشرات المليارت من الدولارات هناك. وفي السنوات الاخيرة ، ركزت بكين حضورها في كل من فنزويلا والبرازيل وبنما والبيرو وغيرها . وكانت امريكا خلال نحو عشر سنوات ، غافلة فعليا عن تلك الجهود الصينية ، التي تمت بهدوء ودون ضجيج. وقد انتبه ترامب الى تزايد النفوذ الصيني في ما كان يعرف” بالحديقة الخلفية ” للولايات المتحدة . ولذلك تحرك الرئيس الامريكي لتطويق الحضور الصيني . وبدأ العام الماضي بقناة بنما ، حيث هدد السلطات البنمية باحتلال القتاة واعتقال الرئيس ، ان لم تغير هذه السطات موقفها من الصين . وسارعت حكومة بنما الى الغاء عقد اشراف الشركة الصينية على القناة ، وبذلك تفادت ضربة امريكية مؤكدة. عامل آخر اثار حنق ترامب ، وهو سيطرة بكين عمليا على مناطق استخراج وتسويق النفط في فنزويلا ، وشحنه باسعار منخفضة الى الصين. وللتذكير ، فان فنزويلا تملك ربع الاحتياطي العالمي من الذهب الاسود .كما بدأت الشركات الصينية العمل في استخراج المعادن النادرة هناك ، والشروع في استثمار مناجم الذهب الضخمة . فضلا عن ذلك ،خصصت بكين نحو خمسة وسبعين مليار دولار للاستثمار في تلك المشروعات . والاهم من ذلك كله ، تخلي كل من الصين وفنزويلا عن الدولار ، واستخدام عملاتهما المحلية في تعاملهما التجاري .
لقد استفاقت ادارة ترامب على حقيقة مخيفة ، هي ،ابتعاد معظم دول القارة اللاتينية عن امريكا ، ودخول معظم اجزاء تلك القارة التدريجي تحت المظلة الصينية . اما لماذا بدأت امريكا تحركها لاستعادة نفوذها في امريكا اللاتينة من فنزويلا ، فهذا يعود الى ثلاثة اسباب: اولها، رفض االسلطات الفنزويلية المتواصل والعنيد دفع تعويضات بمليارات الدولارات للشركات النفطية الامريكية . وكانت الحكومة الاشتراكية الفنزويلية قد الغت عقود تلك الشركات ، واممت اصولها وصادرت ممتلكاتها ، اضافة الى ان الحكومة الفنزويلية امتنعت عن تعويض الخسائر الهائلة ،التي تكبدتها تلك الشركات ، جراء اغلاق مصافي نفطية خاصة ،بنتها في امريكا لتكرير النفط الفنزويلي ذي المواصفات الخاصة . والسبب الثاني ، يكمن في العلاقة الشخصية المتوترة والسيئة بين ترامب ومادورو ، الذي تحدى شخصيا الرئيس الامريكي عبر تصريحات عدة . والسبب الثالث ، هو ان حكومة مادورو قد فتحت ابواب البلاد امام ايران ، وساعدتها في الالتفاف على العقوبات الامريكية في مجال التحويلات المالية . كما سمحت كاراكاس لحزب الله ، ولغيره من المنظمات الشيعية الايرانية ، ممارسة انشطة تجارية ومالية سرية في فنزويلا ، رغم الحظر الامريكي . ولا بد من التذكير ، ان مادورو قدم كثيرا من الدعم لنظام بشار الاسد المنهار، متخطيا العقوبات الامريكية .
ومن اجل تسويغ حملته على فنزويلا ، استعاد الرئيس ترامب الحديث عن مبدأ مونرو ،الذي اقر عام 1823 ، والذي يحظر على الدول الاجنبية بناء نفوذ لها في امريكا اللاتينية . وقد طُبق ذلك المبدأ آنذاك ضد الدول الاوربية ، واليوم يطبقه ترامب ضد الصين . ان استخدام الادارة الامريكية لمبدأ مونرو يعني ،ان الهجمات العسكرية الامريكية لن تتوقف في فنزويلا، بل قد تمتد الى كل من كوبا والبرازيل وبيرو ، وغيرها من دول القارة اللاتينية الامريكية ،التي اقامت علاقات وثيقة مع الصين .
(اخبار سوريا الوطن ١-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
