بقلق واضح وتوتر لا تخطئه العين، يراجع يومياً مئات المواطنين مؤسسة الكهرباء في دمشق، يحملون فواتير تجاوزت قيمتها ملايين الليرات، في مشهد غير مسبوق بالنسبة لكثيرين اعتادوا خلال السنوات الماضية على فواتير لا تتجاوز بضعة آلاف.
ووفق مشاهدات صحيفة الثورة السورية، يصل عدد المراجعين يومياً إلى نحو 500 مواطن، بعضهم تفاجأ بفواتير بلغت ثمانية ملايين ليرة، رغم أن التعرفة الجديدة لم تُطبق بعد رسمياً، والمتوقع بدء صدورها مع الدورة السادسة منتصف الشهر الجاري.
وخلق هذا الواقع حالة من الازدحام والاعتراض والفوضى، وسط تساؤلات مشروعة: من أين جاءت هذه الفواتير؟ ولماذا ظهرت الآن؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ والأهم: كيف ستُعالج هذه المشكلة، وكيف يمكن تجنب تكرارها مستقبلاً؟
مواطنون من شرائح مختلفة والمعاناة واحدة
أمام كوّة الاعتراض، تتلاشى الفوارق الاجتماعية، الدكتور يوسف الشوم، الموظف القاطن في كفرسوسة – الجمالة، يقف إلى جانب بائع الخضار محمود منيني من المنطقة الصناعية، كلاهما يحمل فاتورة تفوق قدرته على الدفع.
يقول الشوم: إن فاتورته تجاوزت ثلاثة ملايين ونصف المليون ليرة عن خمس سنوات سابقة، متسائلاً: “ما ذنبي لأدفع تراكمات سنوات؟ راتبي بعد الزيادة مليون ومئة ألف، فمن أين سأدفع؟”.
أما منيني، فقد فوجئ بفاتورة بلغت مليوناً و750 ألف ليرة عن خمس دورات، إحداها قاربت المليون، مضيفاً: “أعيل سبعة أفراد، أعمل بائع خضار بالكاد أؤمّن قوت يومي، ولا أملك قدرة على الدفع “.
وفي برزة، تروي ميساء محمد، وهي بلا دخل وتعيل طفلين في المدارس، كيف فوجئت باستهلاك 3000 كيلو واط وفاتورة تجاوزت ثلاثة ملايين ليرة، وبعد تقديم الاعتراض، تبيّن أن المشكلة ناتجة عن عداد معطّل، فتم تخفيض الفاتورة من مليون و835 ألفاً إلى 450 ألف ليرة، ورغم ذلك تقول: “حتى بعد التخفيض لا أستطيع الدفع، المبلغ يفوق قدرتي بكثير”.
دخل محدود وأرقام صادمة
المتقاعد عبد الكريم الدقاق من المهاجرين يشرح وضعه قائلاً: “راتبي لا يتجاوز 750 ألف ليرة، لدي خمسة أبناء، اثنان منهم من ذوي الإعاقة، وزوجة مريضة، كانت فاتورتي سابقاً لا تتجاوز 2000 إلى 8000 ليرة، واليوم أُطالب بمبالغ لا أستطيع حتى تصورها”.
وتؤكد سميرة عوض من مشروع دمر أن استهلاك أسرتها لم يزد، بل على العكس، حاولوا الترشيد منذ الإعلان عن التعرفة الجديدة، ومع ذلك تجاوزت فاتورتهم مليوناً و300 ألف ليرة، وتضيف: “راتب الموظف محدود، وهذه الأرقام نعجز عن دفعها”.
أما الطالبة الجامعية تسنيم حمادي من حي العمارة، فتقول: إن فاتورة منزلهم التي كانت بين 10 و20 ألف ليرة، ارتفعت فجأة إلى 680 ألف ليرة، وهو ما يعادل تقريباً راتب والدتها المتقاعدة بالكامل.
اتهامات متبادلة وواقع معقّد
بعض المواطنين، مثل المتقاعد محمد طباع، يحمّل المؤسسة وموظفيها مسؤولية الفوضى، متحدثاً عن تجاهل قراءة العدادات ووضع أرقام “غير منطقية”، خاصة أن العديد من العدادات الإلكترونية تكون مطفأة بسبب التقنين الطويل، ما يجعل القراءة الفعلية شبه مستحيلة، ويضيف: “لو كانت الأسعار منطقية ونقدر على دفعها لما ترددنا، لكن واقع المعيشة صعب، وهناك دواء وغذاء وإيجارات”.
وفي حديث خاص لـ”الثورة السورية”، يصف المهندس عبد الرزاق المفتي، مدير مكتب شؤون المشتركين في المؤسسة العامة لكهرباء دمشق، واقع الكهرباء بأنه من “أعقد المشكلات وأكثرها تراكمية”، مؤكداً أن الحلول ليست سهلة ولا سريعة.
ويقول المفتي إن عدد المراجعين اليومي يتراوح بين 500 و1000 مشترك، متوقعاً زيادة العدد بعد صدور الدورة السادسة في 18 من الشهر الجاري، ويوضح أن قرار رفع التعرفة صدر رسمياً ويُنفذ اعتباراً من الأول من تشرين الثاني الماضي، لكن الفواتير الحالية تعود في معظمها إلى دورات سابقة أو تراكمات لسنوات.
ويبين المفتي أن الاستهلاك قُسّم إلى شرائح، الأولى منها مدعومة لذوي الدخل المحدود حتى 300 كيلو واط بسعر 600 ليرة، وهي الشريحة التي تمس ملايين الأسر، وتشكل محور الاعتراضات الحالية.
ويضيف: إن المؤسسة، كإجراء قانوني، تقوم بسحب العداد في حال عدم الدفع لثلاث دورات متتالية، وبعد ثمانية أشهر يُلغى الاشتراك نهائياً، لكن الواقع الحالي يفرض التعامل بمرونة مع مسألة عدم القدرة على الدفع.
لماذا ظهرت فواتير صفرية وأخرى بالملايين؟
ويفسّر المهندس عبد الرزاق المفتي هذا التناقض بجملة من الأسباب المتداخلة، في مقدمتها النقص الكبير في الكادر البشري، إذ لا يتجاوز عدد المؤشرين في دمشق 90 قارئاً، وهو عدد غير كافٍ لقراءة آلاف الاشتراكات خلال دورة واحدة مدتها 60 يوماً.
ويضاف إلى ذلك أعطال واسعة في العدادات الإلكترونية، إذ نفدت بطاريات عدد كبير منها ولم تعد تعمل إلا عند توفر التيار الكهربائي، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى بعض العدادات الموجودة داخل المنازل أو الأبنية المغلقة.
كما يشير إلى غياب الاعتراض المسبق من بعض المشتركين عند عدم قراءة العدادات، ما يؤدي في بعض الحالات إلى اعتماد تقدير مؤقت أو إصدار فواتير صفرية لتجنّب التقدير الشخصي، وهو ما يفضي لاحقاً إلى تراكم مفاجئ في الاستهلاك عند إجراء القراءة الفعلية.
وفي إطار توضيح حجم وتعقيد هذا الواقع الخدمي، أوضح المفتي أن عدد مشتركي الكهرباء في دمشق يقارب 650 ألف مشترك، يشمل كامل المدينة بما فيها المناطق المدمّرة والمغلقة، في حين لا يتجاوز عدد المشتركين الفعليين 450 ألفاً، مقابل نحو 150 ألف اشتراك خارج الخدمة في المناطق المتضررة.
وأضاف: إن عدد الاشتراكات التجارية يبلغ قرابة 150 ألف اشتراك، إلا أن الفعّال منها لا يتجاوز 60 إلى 70 ألفاً، بينما تبقى بقية الاشتراكات مغلقة أو متوقفة، ولا سيما في مناطق، مثل مخيم اليرموك وجوبر التي تضم وحدها نحو 100 ألف اشتراك خارج الخدمة، ما يزيد من تعقيد عمليات القراءة والفوترة.
الحل القادم
يوضح المفتي أن ما يُعرف بـ”تشريح الفاتورة” لا يعني الإعفاء أو المساعدة، بل إعادة احتساب الاستهلاك الفعلي لكل دورة، فإذا كانت هناك خمس دورات صفرية ثم قراءة مرتفعة، يُجزّأ الاستهلاك على الدورات السابقة قبل تاريخ 1 تشرين الثاني بالتعرفة القديمة، وما بعده بالتعرفة الجديدة، ويؤكد أن معظم الفواتير التي تظهر بالملايين تُلغى أو تُعدّل بعد المراجعة، وأن أكبر فاتورة جرى علاجها حتى الآن بلغت 8 ملايين ليرة.
ويكشف المفتي عن مناقصة معلنة منذ شهر لاستجرار عدادات ذكية قابلة للشحن لأكثر من 3 ملايين مشترك في سوريا، مع كادر فني مرافق، معتبراً أنها خطوة أساسية لتخفيف الفوضى وإنهاء مشاكل القراءة والمؤشرين، كما يشير إلى أن المؤسسة تتوقع إنهاء ملف استبدال العدادات في دمشق بالكامل بحلول الشهر التاسع من العام الجاري.
ودعا المفتي المواطنين إلى عدم الاعتماد الدائم على الدفع الإلكتروني، بل مراجعة المؤسسة دورياً والحصول على الفاتورة الورقية التي توضح قيمة الاستهلاك، ما يتيح المقارنة ومعالجة أي خلل مبكراً، وتجنب تراكمات مستقبلية.
وبين واقع معيشي صعب، وتعرفة جديدة، ومشكلات إدارية وفنية متراكمة، يجد المواطن نفسه في مواجهة فواتير صادمة، وفي حين تؤكد المؤسسة أن الفوضى قابلة للمعالجة وأن “لا ظلم لأي مشترك”، يبقى نجاح الحل مرهوناً بتسريع الانتقال إلى الأنظمة الذكية، وزيادة الكوادر، وتعزيز الشفافية، بما يخفف العبء عن المواطن ويعيد الثقة إلى منظومة الفوترة.
أخبار سوريا الوطن١-الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
