مالك صقور
إنه لكابوس ، ثقيلٌ جداً هو هذا الكابوس .
لقد أرقنّي منذ زمن بعيد . وما زال يؤرقني هذا الكابوس . نعم ، يؤرقني ويلاحقني مُذ شاهدتُ أول فيلم (( كاوبوي )). كان ذلك في منتصف ستينات القرن الماضي . . حين انتشرت أفلام هوليود الأميركية ، عن رعاة البقر . وكانت السينما في عزّها .
يومها ، جزع والدي على حالي ، فاصطحبني معه إلى طبيب صديقه ، الذي حوّلني إلى طبيب آخر . الطبيب الآخر حولنّي إلى طبيب نفساني . الطبيب النفساني بعد معاينته السريرية لي .. شرع يسألني أسئلة سهلة وأسئلة صعبة ، أسئلة كثيرة .. ومن خلال أجوبتي عرف الطبيب أني مدمن على مشاهدة أفلام (( الكاوبوي )) .
وبعد عدة جلسات طويلة ، من الاستجواب ، وطرح الأسئلة وتكرارها ، تاركاً لي أن أتحدث بعفوية عن كل شيء . لا سيما ، عن السينما وعن أفلام الكاوبوي ..
في النهاية ، شخّصَ الطبيبُ حالتي المرضية .. قال لوالدي : لا تخف ، لا تقلق ، كنْ مطمئناُ .. ابنك مصاب ب”فوبيا ” أفلام الكاوبوي الأمريكية . قطّب والدي حاجبية ، فتابع الطبيب تشخيصه قائلاً : الفوبيا ، نعم فوبيا ..هنا تغيرّت ملامح والدي . فقال الطبيب : كلمة فوبيا تعني بالعربي : ” رهاب ” . نعم ، ابنك مصاب برهاب الأفلام الأمريكية . لديه رهاب عنيف منها . والصبي ، يعنيني أنا ، يكره العنف ، يكره القنص ، يكره الغدر ، يكره الإغتصاب ..يكره ….الخ
لم يفهم والدي كلام الطبيب ، وتشخيصه لحالتي . وقال له : وماهو العلاج ؟ اكتب لنا وصفة ، وهل في الصيدليات يوجد دواء لهذا المرض ؟ ابتسم الطبيب وراح يشرح بهدوء لوالدي قائلاً : لا تخف ، لا تقلق . ثمة حالة تُسمى ” رهاب ” ؛ والرهاب يعني شدّة الخوف ، والجزع ، والفزع ، مثلاً : هناك رهاب ” الوحدة ” ، أي , الوحدانية التي تصيب المسنين ، يتركهم أولادهم ،ويبقى العجوز وحده ، فيخاف من هذه الحالة . يخاف أن يبقى وحيداً أو ينام وحيداً . وهناك رهاب الأماكن الخالية .أو الأماكن الضيقة ، مثلاً : هناك من يخاف الصعود بالمصعد وحيداً أو مع جماعة . وهناك رهاب الأماكن المرتفعة والعالية ، وهناك رهاب الظلام ، أي الخوف من العتمة . وابنك لديه رهاب أفلام الكاوبوي .
لاتخف ، لا تقلق .. كن مطمئناً ، هذا ليس مرضا ً .. ولقد وصفت له الدواء ، فقال والدي : دكتور ، أرجوك ماهو الدواء ؟ فقال الطبيب : الدواء هو عدم مشاهدة أفلام الكاوبوي ، ولتكن له هوايات جديدة غير السينما . وسيشفى من هذه الحالة . وأنا أضمن ذلك
*****
تخلصَّ الصبي ، الذي هوأنا ، من أفلام الكاوبوي . لكن هذه الأفلام وهوليود والسينما الأمريكية تحولت إلى مستعمرة ، والمستعمرة تحولت إلى مستعمرات كبيرة شملت أكثر بلدان العالم الثالث . وصار الكاوبوي علجاً ضخماً وقد خلّفَ علوجاً أكبر من الفيلة ، وتحولت بنادق الكاوبوي ومسدساتهم مدافع وصواريخ ، وأما خيول الكاوبوي فقد صارت دبابات وحاملة طائرات .. وأصبح الكاوبوي في كل مكان : فبعد هزيمته في فيتنام غيّر من التكتيك ، فصارت الإطاحة بالإنظمة لعبة بسيطة بيد الكاوبوي. من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط والبلقان : يوغسلافيا . وغرينادا . و وبناما . والعراق . وأفغانستان . وغزة . وأخيرأ : فنزويلا . ومازال التهديد مدويّاً لكل من غريلاند وكوبا وإيران .
وكبرَ الصبي ، وعرف وفهم ماذا تعني هوليود . ومن يسيطر على هوليود . وقرأ تارخ الولايات منذ كولومبس ، وإبادة السكان الأصليين . وصار يعرف جوهر الراسمالية المتوحش ، وصار يعرف خطر الإمبريالية . وتحول رهاب الكاوبوي الذي كان فيما مضى إلى رهاب الإستعمار الحديث ، إلى رهاب الغول الإمبريالي ..
تذكر الطبيب النفساني ، فقصد عيادته . وجد كل شيء قد تغير . سأل عن الطبيب فقالوا له : هاجر إلى السويد . لكن تلميذه هنا وهو أمهر منه . قابله الذي كان صبياً ، والآن يدخل مرحلة الشيخوخة . شرح حالته . قال الطبيب : لحسن الحظ أن كل الأضابير الماضية نقلناها إلى الحاسوب . قرأ الإضبارة القديمة ، والحالة الجديدة . وقال : انتظرني قليلاً . وبعد قليل قدم له الوصفة : لك ولكل من يفكر ويحس ويهتم مثلك .. ليس لكم إلاّ أن تتعلموا من عبد الرحمن الكواكبي ، وتتبّعوا خطوات غيفارا .
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
