رنا بدري سلوم
حتى في أحلك الظروف، حين كانت السماء لا تهدأ من الطيران، كانت النساء يكمّلن عملهن” يدرّسن، ويطبخن للمخيم، وينسّقن مبادرات صغيرة، ويخلقن حلولاً يومية حتى لا ينهار مجتمعهن”، فلم تقتصر مشاركة المرأة منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011 على تواجدها في الشارع، امتدت لتشمل عملها المدني كالتعليم البديل والرعاية الإنسانية وإدارة المبادرات الاجتماعية، في ظل ظروف قاسية من القصف والنزوح.
ورغم تحدياتها المجتمعية وضغوطها العائلية والخطر الشخصي، تمكنت النساء من فرض وجودهن وإثبات قدرتهن على الصمود، والمساهمة في الحفاظ على تماسك المجتمع واستمرارية الحياة، يُظهر هذا الدور أن المرأة السورية كانت جزءاً من صميم الثورة، وقوة بناء وإعمار، تُعيد تشكيل المستقبل، خطوة بخطوة.
ولتسليط الضوء على دور المرأة خلال الثورة، أجرت “الثورة السورية” لقاءً مع نموذج حي للمرأة الفاعلة في مجتمعها المحلي، الدكتورة إيمان قريد، مسؤولة التطوير والتدريب في مديرية ثقافة إدلب ومسؤولة العلاقات العامة في جمعية “نساء سوريا”، توجهنا لها بعدة أسئلة لاستعراض تجربتها الشخصية ومساهمات النساء في مختلف مجالات العمل المدني، التعليمي، والإغاثي خلال سنوات الثورة.
- كيف شاركت المرأة السورية في انطلاق الثورة السورية؟ وكيف واجهت مجتمعها آنذاك؟
كانت المرأة موجودة في الشارع خلف الرجال منذ الأيام الأولى للاحتجاجات عام 2011، فقد شاركت بالمظاهرات، ورفعت لافتات، ووقفت في وقفات صامتة رغم الخطر، وفي كثير من المناطق، كانت تراقب تحركات الأمن وتبلغ المتظاهرين لتخفيف الاعتقالات، بيوت كثيرة تحولت لمساحات آمنة لإسعاف المصابين أو لإخفاء المطلوبين، وكانت النساء يدِرن هذه الأدوار بصمت ودقة. حتى التوثيق الأولي للمظاهرات كان جزء كبير منه بعدسة نساء صوّرن من الشبابيك والأسطح وبهذا الشكل، كانت المرأة جزءاً من انطلاقة الثورة.
- ما التحديات المجتمعية التي واجهتها المرأة بسبب مشاركتها في الثورة؟
منذ أن بدأت المرأة تشارك في الثورة، واجهت تحديات لم تكن بسيطة، المجتمع نفسه كان أحياناً أول حاجز أمامها. كثير من النساء تعرّضن للتشكيك لمجرد خروجهن للمظاهرات أو عملهن في الحراك المدني، وكأن مشاركتهن شيء غير مألوف أو غير مقبول، الضغط العائلي كان حاضراً دائماً، لأن الخوف على البنت كان مضاعفاً، والخطر عليها كان يُنظر إليه بطريقة مختلفة.
الاعتقال كان واحداً من أكبر المخاوف، ليس فقط بسبب الألم نفسه، بل بسبب الوصمة التي قد تلاحق المرأة بعده، حتى لو كانت بريئة ولم تفعل شيئاً غير أنها طالبت بحقها، هذا الخوف وحده كان كافياً ليحاول كثيرون إبعاد النساء عن أي نشاط.
وفوق كل هذا، كانت هناك نظرة اجتماعية تحاول حصر دور المرأة داخل البيت، وتعتبر وجودها في الشارع أو في العمل المدني “تجاوزاً” ومع ذلك، استمرت النساء، وفرضن وجودهن مع الوقت، لدرجة أن كثيراً من هذه التحديات بدأ يخف لأن الواقع نفسه تغيّر.
- ما أشكال النشاط المدني الذي مارسته النساء في إدلب؟
من خلال ما رأيته في إدلب، كان واضحاً أن النساء لم يقفن على الهامش ولم ينتظرن تحسّن الظروف، في كل مدينة وقرية ومخيم، من إدلب المدينة إلى بنّش وسرمدا ومعرة مصرين والدانا، وصولاً إلى مخيمات أرمناز و أطمة وقاح وكللي.. كانت النساء يشتغلن يومياً ليحافظن على تماسك مجتمعهم.
فأسسن مبادرات تعليمية بسيطة بإمكانات قليلة، وفتحْن صفوفاً داخل البيوت والخيام، وقدّمن دعماً نفسياً للأطفال الذين عاشوا القصف والنزوح، وفي أماكن أخرى، عملن على حملات توعية صحية واجتماعية، وزرن العائلات المتضررة، وجمعن احتياجات النازحين، ونظمن توزيع المساعدات بطريقة تحفظ كرامة الناس.
حتى في أصعب الظروف، حين كانت السماء لا تهدأ من الطيران، كانت النساء يكملن عملهن، يدرّسن، ويطبخن للمخيم، وينسّقن مبادرات صغيرة، ويخلقن حلولاً يومية حتى لا ينهار المجتمع.
- كيف ساهمت المرأة في التعليم البديل وإدارة المدارس أثناء الحرب؟
عندما توقفت المدارس بسبب القصف أو النزوح، لم تنتظر النساء الحلول الرسمية، بل خلقن بدائل من الصفر. فتحن صفوفاً داخل البيوت، وفي الأقبية، وحتى في الخيام داخل المخيمات المنتشرة من “أطمه وكللي وقاح وصولاً إلى مخيمات أرمناز”. كنّ يدرّسن الأطفال بأبسط الوسائل المتاحة، لأنهن كنّ يعرفن أن الجهل أخطر من الحرب نفسها.
وفي كثير من المناطق، تولّت النساء إدارة المدارس بشكل كامل، من تنظيم الدوام، ومتابعة الطلاب، والتواصل مع الأهالي، وحتى تأمين الكتب والقرطاسية، كنّ يعملن تحت ضغط كبير، بين القصف والخوف والمسؤوليات العائلية، ومع ذلك كنّ يحاولن الحفاظ على استمرارية التعليم ومنع جيل كامل من الضياع.
ما فعلته المرأة في التعليم لم يكن مجرد بديل مؤقت، بل كان فعل إنقاذ حقيقي، إنقاذاً للطفولة، وللمستقبل، وللأمل الذي حاولت الحرب إطفاءه.
- ما أثر النزوح الداخلي على أدوار النساء في المجتمع؟
النزوح الداخلي غيّر حياة المرأة من جذورها، فجأة وجدت نفسها مسؤولة عن أسرة كاملة في ظروف لا تشبه أي شيء عرفناه قبل الحرب، في المخيمات، كانت المرأة هي التي تدير تفاصيل الحياة اليومية، من تأمين الطعام، ومتابعة الأطفال، والتعامل مع البرد والحر والمرض، وكل ذلك وهي تحاول الحفاظ على تماسك عائلتها.
النزوح لم يزد مسؤولياتها فقط، بل نقلها إلى أدوار جديدة لم تكن تتخيلها، كثير من النساء أصبحن معيلات بعد فقدان الزوج أو غيابه، وبدأن العمل في مبادرات صغيرة داخل المخيمات، من التعليم إلى الخياطة وحتى تنظيم حملات دعم للنازحين، ومع الوقت، أصبح واضحاً أن المرأة هي التي حافظت على استقرار العائلات، وجعلت الحياة تستمر رغم كل الظروف.
باختصار، النزوح لم يكسر المرأة، بل كشف قوتها وقدرتها على إعادة بناء حياة كاملة من الصفر.
- كيف استطاعت المرأة في إدلب تحقيق توازن بين مسؤوليات الأسرة والعمل؟
رغم كل الضغوط التي عاشتها إدلب خلال الحرب، استطاعت المرأة أن تخلق نوعاً من التوازن بين مسؤولياتها داخل البيت وبين عملها في المجتمع، لم يكن توازناً مثالياً، ولم يكن سهلاً، لكنه كان نابعاً من إحساس كبير بالمسؤولية، كثير من النساء كنّ يبدأن يومهن مع عائلاتهن، تجهيز الأطفال، وترتيب البيت، ومتابعة الاحتياجات الأساسية، ثم يخرجن للعمل في التعليم أو الإغاثة أو المبادرات المدنية، ويعدن ليكملن دورهن داخل البيت وكأنهن لم يتعبن.
السر كان في قدرة المرأة على دمج الدورين بدل أن تفصل بينهما، أحياناً كانت تأخذ أطفالها معها إلى المراكز أو الصفوف البديلة، وأحياناً كانت تعمل من البيت إذا كانت الظروف الأمنية لا تسمح بالخروج.
أما في المخيمات، كانت مسؤولياتها تتضاعف، لكنها كانت تجد حلولاً يومية بسيطة حتى تستمر، تقسيم الوقت، والاعتماد على دعم نساء أخريات، ومشاركة المهام داخل الأسرة قدر الإمكان.
بهذا الشكل، استطاعت المرأة أن تحافظ على بيتها وعلى دورها في المجتمع في الوقت نفسه، رغم الحرب والقصف والنزوح، كانت تعمل على جبهتين، وتنجح في الاثنين، وهذا من أقوى صور الصمود التي شهدناها خلال السنوات الماضية.
- برأيك، ما أبرز قصص النجاح النسائية خلال سنوات الثورة؟
رغم الحرب والقصف والنزوح، ظهرت في إدلب قصص نجاح نسائية تشبه المعجزات الصغيرة التي تصنعها الإرادة اليومية، كثير من النساء استطعن تحويل الظروف القاسية إلى مساحات عمل وحياة، في التعليم، ظهرت معلمات أسسن صفوفاً بديلة داخل البيوت والخيام، وحافظن على تعليم مئات الأطفال رغم انقطاع المدارس. وفي القطاع الصحي، عملت نساء تحت القصف، وقدّمن رعاية للأمهات والأطفال، وكنّ خط الدفاع الأول حين كانت المستشفيات تُستهدف.
وفي المجتمع المدني، ظهرت مبادرات نسائية صغيرة لكنها مؤثرة، مراكز دعم نفسي، وورشات تدريب مهني، وحملات توعية، وتنظيم مساعدات للنازحين في المخيمات الممتدة من “أطمه وقاح وكللي وصولاً إلى أرمناز ومعرة مصرين”. حتى المشاريع المنزلية البسيطة مثل الخياطة، وصناعة الطعام، وتعليم الأطفال، تحولت إلى مصدر رزق واستقرار لعائلات كاملة.
هذه النجاحات لم تكن نتيجة ظروف مريحة، بل نتيجة إصرار يومي، المرأة في إدلب أثبتت أنها قادرة على البناء، والتعليم، والتداوي، وإدارة مجتمع كامل رغم كل شيء. نجاحها كان صامتاً أحياناً، لكنه كان واضحاً في أثره وفي الطريقة التي حافظت بها على استمرار الحياة رغم الحرب.
- كيف نعزز دور المرأة في إعادة بناء المجتمع مستقبلاً؟
رغم كل ما مرّرنا به، كان واضحاً أن إعادة البناء لا يمكن أن تتم بجهد طرف واحد، المرأة والرجل عملا جنباً إلى جنب، وكل واحد حمل جزءاً من المسؤولية. المرأة لم تكن بديلة عن الرجل، ولم تكن تعمل وحدها، لكنها كانت شريكاً حقيقياً في كل خطوة. فبينما كان الرجل يحاول تأمين الاستقرار والحماية ويواجه ظروف العمل الصعبة، كانت المرأة تكمل هذا الدور من خلال التعليم، ودعم العائلات، وتنظيم المبادرات، وإدارة التفاصيل اليومية التي تحافظ على تماسك المجتمع.
هذا التعاون بين الطرفين هو ما جعل الحياة تستمر رغم الحرب، كل واحد كان يسند الآخر، وكل واحد كان يعمل من موقعه حتى ينهض المجتمع من جديد، والمستقبل سيكون أقوى عندما تستمر هذه الشراكة، لأن إعادة البناء مسؤولية مشتركة، والمرأة والرجل فيها على الخط نفسه.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
