أحمد الدبش
يُعدّ تحليل صعود الدول وتراجعها من القضايا المركزية في الفكر السياسي والتاريخي، وقد قدّم كلٌّ من عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406) وأرنولد توينبي (1889-1975) إطارين تفسيريين عميقين لفهم هذه الظاهرة. وعلى الرغم من اختلاف السياقات التاريخية والفكرية التي انطلق منها كلّ منهما، فإنّ الجمع بين هذين الإطارين يوفّر نموذجاً تحليلياً مركّباً قادراً على تفسير الأزمات البنيوية في الدول الحديثة.
يرى ابن خلدون أنّ نشأة الدولة ترتبط بوجود عصبية قوية تمكّن جماعة بشرية من فرض سيطرتها وتأسيس سلطة سياسية.
فالعصبية، بوصفها توافقاً جماعياً في الإرادة والهدف، تمثّل القوة الدافعة التي توحّد أفراد الجماعة وتمنحهم القدرة على الدفاع عن كيانهم وتحقيق مشروعهم السياسي. غير أنّ هذه العصبية لا تبقى ثابتة؛ إذ تبدأ بالتآكل تدريجياً مع انتقال الدولة إلى مراحل الاستقرار والترف، ما يؤدّي في النهاية إلى ضعفها وانهيارها. ويُقسّم ابن خلدون دورة الدولة إلى خمس مراحل تبدأ بالتأسيس وتنتهي بمرحلة الإسراف والتبذير، حيث تصل الدولة إلى حالة من الهرم البنيوي الذي يمهّد لانقراضها.
في هذا الإطار، لا يُفسَّر سقوط الدولة كحدث مفاجئ ناتج من عوامل خارجية، بل كنتيجة حتمية لمسار داخلي من التفكّك التدريجي. فضعف العصبية يؤدّي إلى تراجع القدرة الدفاعية، ويجعل الدولة عرضة للانهيار عند أوّل تحدٍّ جدّي.
في المقابل، يقدّم توينبي تصورّاً أكثر ديناميكية، إذ يرفض فكرة الحتمية الدورية المغلقة، ويؤكّد أن مصير الحضارات يتحدّد بناءً على قدرتها على الاستجابة للتحدّيات. فالحضارات، في نظره، تنمو عندما تنجح «الأقلية المبدعة» في تقديم حلول خلّاقة تستقطب المجتمع، بينما تبدأ في التراجع عندما تفشل هذه النخبة وتتحوّل إلى قوة محافظة تعتمد على القسر بدل الإبداع. وفي هذه الحالة، يدخل المجتمع في مرحلة “الانفصال الداخلي”، حيث تتفكّك الروابط الاجتماعية وتتآكل وحدة الجماعة.
ومن خلال الجمع بين هذين الإطارين، يتضح أن تفسير انهيار الدول يتطلّب النظر إلى عاملين متكاملين: أولاً، درجة التماسك الداخلي (العصبية)، وثانياً، طبيعة الاستجابة للتحدّيات. فالدولة التي تعاني من انقسامات داخلية عميقة وتفشل في الوقت ذاته في إنتاج استجابات فعّالة، تكون قد دخلت مرحلة أزمة بنيوية يصعب تجاوزها.
في انحلال العصبية الإسرائيلية
عند تطبيق هذا النموذج التحليلي على الحالة الإسرائيلية، يظهر أن المجتمع قد تشكّل من جماعات متعددة الخلفيات الإثنية والثقافية، ما استدعى بناء نوع من “العصبية المتخيّلة” القائمة على الهوية الدينية والقومية. غير أن هذه العصبية لم تتحوّل إلى تماسك وطني مستقر، بل بقيت عرضة للتصدّع نتيجة التناقضات البنيوية الداخلية.
هذا الغياب التاريخي للعصبية «الطبيعية» جعل إسرائيل تعتمد على مصادر بديلة للتماسك: التهديد الخارجي، الدعم الغربي، والمؤسسات القسرية. غير أنّ هذه المصادر أثبتت هشاشتها بمرور الوقت.
وقد تجلّت هذه الهشاشة في تصاعد الاستقطاب الداخلي، حيث تشير البيانات إلى أنّ أكثر من 70% من الإسرائيليين يرون أن مجتمعهم منقسم بشكل حادّ، في حين تتجاوز نسبة انعدام الثقة بالمؤسسات السياسية 60% وتعكس هذه المؤشرات ما يمكن وصفه، وفقاً لابن خلدون، بمرحلة «انحلال العصبية»، حيث تفقد الجماعة السياسية قدرتها على التماسك والعمل كوحدة متكاملة.
كما تكشف تحليلات الخطاب السياسي عن تصاعد ملحوظ في الخطاب العدائي الداخلي، حيث ارتفعت نسبة الخطاب الذي يصنّف الخصوم السياسيين كـ«أعداء داخليين» بنسبة تتجاوز 40% بعد عملية «طوفان الأقصى» تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ويعكس هذا التحوّل انتقال الصراع من كونه خارجياً إلى داخلي، وهو ما يُعدّ مؤشراً خطيراً إلى تآكل التماسك الاجتماعي. وتشير الدراسات إلى أن أكثر من 30% من السكان يعانون من أعراض قلق حادّ بعد أحداث الحرب، وهو ما يعكس ضغطاً نفسياً جماعياً يؤثّر على الاستقرار الاجتماعي. كما أن الأبعاد الاقتصادية للأزمة تظهر في الخسائر الكبيرة التي تكبّدها الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة الحرب، إلى جانب تراجع بعض المؤشرات الاقتصادية مثل الاستثمار والسياحة.
المشروع الصهيوني، الذي فشل منذ البداية في بناء شرعية سياسية قائمة على التوافق الداخلي أو الاعتراف الإقليمي، تحوّل تدريجياً إلى الاعتماد المطلق على القوة العسكرية والدعم الخارجي. وهذا التحوّل، كما يؤكد توينبي، لا يعالج الأسباب الجذرية للأزمة، بل يعيد إنتاجها بصورة أكثر عنفاً وتعقيداً
ويُعدّ الصراع حول النظام القضائي أحد أبرز مظاهر هذا التآكل، إذ تحوّل الخلاف السياسي إلى أزمة دستورية تمسّ جوهر النظام السياسي، وتكشف عن ضعف القدرة على إدارة التباينات ضمن إطار مؤسّسي جامع.
في هذا السياق، يمكن قراءة أزمة القضاء باعتبارها تعبيراً مزدوجاً عن «انحلال العصبية» و«فشل الاستجابة». فمن منظور ابن خلدون، تمثّل هذه الأزمة مرحلة متقدّمة من تفكّك البنية المؤسسية، أو دخول الدولة في طور الإسراف والتبذير – المرحلة الخامسة والأخيرة في دورة حياة الدول. ففي هذا الطور، يكتب ابن خلدون، يصبح صاحب الدولة «مخرّباً لما كان سلفه يؤسّسون، وهادماً لما كانوا يبنون».
ما تفعله الحكومة الإسرائيلية الحالية – من محاولات إضعاف المحكمة العليا وعرقلة تعيين القضاة – هو بالضبط «هدم» للأسس المؤسسية التي قام عليها الكيان في مرحلة التأسيس. بينما تعكس، في منظور توينبي، عجز النخبة الحاكمة عن تقديم حلول توافقية، ولجوءَها بدلاً من ذلك إلى أدوات الصراع والقسر. حيث يكتب توينبي: «عندما تفقد الأقلية الحاكمة قدرتها على استقطاب الجماهير، تلجأ إلى القوة كبديل عن القيادة، وهذه علامة أكيدة على الدخول في مرحلة الانهيار».
ولا تقلّ أزمة التجنيد أهمية، إذ تكشف عن خلل أعمق في فكرة الالتزام الجماعي. فرفض فئات اجتماعية رئيسية المشاركة في الخدمة العسكرية يعكس تراجعاً في الاستعداد للتضحية من أجل الجماعة، وهو أحد أبرز مؤشرات ضعف العصبية. فالحريديم يشكلون شريحة ديموغرافية متنامية، لكنهم لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من التزامات الدولة الأساسية. هذا يخلق وضعاً متناقضاً: الكيان يحتاج إلى مزيد من الجنود، لكن القطاع السكاني الأسرع نمواً يرفض المشاركة، بل ويرى في رفضه واجباً دينياً. كما يعكس، في الوقت ذاته، فشلاً في معالجة التحدّيات الديموغرافية من خلال حلول مبتكرة، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة بدل احتوائها.
وتُظهر هاتان الأزمتان – القضاء والتجنيد – أن التفكّك لا يقتصر على مستوى واحد، بل يشمل البنية المؤسسية والاجتماعية معاً. وهو ما يتطابق مع مفهوم «الانفصال الداخلي» عند توينبي، حيث تتفكّك الجماعة إلى وحدات متباينة في القيم والولاءات، وتفقد الدولة قدرتها على توحيدها ضمن إطار مشترك.
العداء من كل جانب!
يذهب ابن خلدون في نظريته عن انهيار الدول إلى أن الضعف لا يبدأ من الخارج، بل ينشأ من الداخل قبل أن «ينقضّ عليها العداء من كل جانب». فالدولة التي تفقد تماسكها الداخلي تصبح عاجزة عن صدّ الأعداء، ليس لأن قوتها العسكرية نقصت بالضرورة، بل لأن «العصبية» التي تمنحها القدرة على الدفاع الجماعي قد تآكلت.
هذا المنطق يجد تجلّياته بوضوح في الحالة الإسرائيلية المعاصرة. فخلال العقد الأخير، ازداد الحديث داخل إسرائيل عن المخاطر المحيطة والمشاهد المستقبلية للدولة، في ظل إدراك متزايد أن الكيان لم يحرز نصراً عسكرياً حاسماً منذ حرب 1967. فقد تتابعت الهزائم الاستراتيجية التي مُني بها جيش الاحتلال في عدة جبهات: صدمة حرب أكتوبر 1973 التي كسرت أسطورة التفوّق المطلق، ثم الانسحاب المذلّ من جنوب لبنان عام 2000 تحت وطأة المقاومة، والانسحاب الأُحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005، تلتها الهزيمة المدوّية في حرب تموز 2006 أمام حزب الله، ثم سلسلة الحروب غير الحاسمة على غزة بين عامي 2008 و2021، وصولاً إلى حرب 2023 وما بعدها التي كشفت عن هشاشة غير مسبوقة.
هذا المسار الطويل من الإخفاقات العسكرية لم يكن مجرد تراجع في القدرات القتالية، بل كان انعكاساً لتحوّل أعمق في بنية الدولة ذاتها.
في هذا السياق، يقدّم توينبي قراءة ثاقبة تربط بين التدهور العسكري والتفكّك الداخلي. يكتب في تحليله لانهيار الحضارات: «التفوّق العسكري وحده لا يكفي لبقاء الحضارة؛ فالحضارات التي تعتمد على القوة وحدها كاستجابة للتحدّيات تكون قد دخلت في طور الجمود الذي يسبق الانهيار». فالقوة العسكرية، حين تنفصل عن مشروع سياسي قادر على استقطاب الجماهير وبناء شرعية مستدامة، تتحوّل إلى غاية في ذاتها، وتفقد قدرتها على تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة.
ويضيف توينبي في موضع آخر: «عندما تفقد الأقلية الحاكمة قدرتها على استقطاب الجماهير، تلجأ إلى القوة كبديل عن القيادة، وهذه علامة أكيدة على الدخول في مرحلة الانهيار». هذا هو بالضبط ما حدث في الحالة الإسرائيلية. فالمشروع الصهيوني، الذي فشل منذ البداية في بناء شرعية سياسية قائمة على التوافق الداخلي أو الاعتراف الإقليمي، تحوّل تدريجياً إلى الاعتماد المطلق على القوة العسكرية والدعم الخارجي. وهذا التحوّل، كما يؤكّد توينبي، لا يعالج الأسباب الجذرية للأزمة، بل يعيد إنتاجها بصورة أكثر عنفاً وتعقيداً.
أمّا العلاقة بين الضعف الداخلي والهزائم العسكرية، فيوضحها توينبي بقوله: «الانهيار العسكري ليس سبب انهيار الحضارات، بل هو نتيجة للانهيار الداخلي الذي يسبقه. فالحضارة التي تفقد وحدتها الداخلية تصبح عاجزة عن تنظيم دفاعها عن نفسها».
هذه المقولة تقدّم مفتاحاً لفهم المفارقة الإسرائيلية: كيف يمكن لدولة تمتلك تفوّقاً تكنولوجياً وعسكرياً هائلاً أن تعجز عن تحقيق انتصارات حاسمة؟ الإجابة تكمن في أن التفوّق العسكري وحده لا يعوّض عن انهيار التماسك الداخلي.
فـ«العصبية» التي تحدّث عنها ابن خلدون – أي القدرة على التعبئة الجماعية والالتزام المشترك – هي التي تحوّل الإمكانات المادية إلى قوة استراتيجية فاعلة. وحين تضعف هذه العصبية، أو تنحلّ تماماً، يصبح الجيش أقوى في معدّاته لكنه أعجز في روحه، وأكثر قدرة على تدمير المدن لكنه أقلّ قدرة على تحقيق أهداف سياسية.
في ضوء التحليل المركّب المستند إلى ابن خلدون وتوينبي، يمكننا القول إنّ الحالة الإسرائيلية تعكس مرحلة متقدّمة من التآكل البنيوي، إذ يربط ابن خلدون التراجع بـ«الطور الخامس»، وهي مرحلة «الإسراف والتبذير»، حيث مظاهر الفساد السياسي والانقسامات الداخلية تتفاقم، وتضعف العصبية التي كانت تجمعه. أزمتا القضاء والتجنيد هما التجسيد الأوضح لهذا الانحلال: فالقضاء يعكس انحلال الشرعية المؤسسية، والتجنيد يعكس انحلال الالتزام الجماعي. بينما يفسّر توينبي الأزمة بعجز النخب الحاكمة عن تقديم استجابات خلّاقة للتحدّيات. ويؤدّي تلاقي هذين العاملين إلى تعميق الأزمات بدل معالجتها.
ويبقى التذكير بقول ابن خلدون: «الدول التي تضعف عصبيتها وتتفشّى فيها الفتن الداخلية، تكون قد استحكم بها الهرم، وقرب أجلها». ويقول توينبي: «الحضارات لا تُقتل من الخارج، بل تنتحر من الداخل».
وهكذا، وباستقراء المؤشرات الراهنة – من انقسامات حادّة في النسيج الاجتماعي، إلى أزمات مؤسسية متعاقبة، إلى تراجع في القدرة على تحقيق إنجازات عسكرية حاسمة – يمكن القول إنّ إسرائيل قد دخلت مرحلة «المرض المزمن الذي لا بُرْءَ منه»، كما وصف ابن خلدون المرحلة الأخيرة في عمر الدول. فهي لا تزال قادرة على إدارة الأزمات يوماً بيوم، لكنها فقدت القدرة على تقديم علاج جذري للتناقضات البنيوية التي تهدّد وجودها على المدى الطويل.
* مؤرّخ فلسطيني
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
