ثائر أبو عياش
يدفع «الكنيست» الإسرائيلي نحو إقرار مشروع قانون يهدف إلى إعدام الأسرى الفلسطينيين، وذلك كجزء من رؤية أمنية أوسع تقوم على أن العقوبات القصوى يمكن أن تكسر إرادة المقاومة. لكنّ هذه الفرضية، رغم حضورها القوي في الخطاب السياسي الإسرائيلي، تصطدم بسجلّ طويل من التجارب التي تشير إلى عكسها تماماً. وإذ يقوم المشروع على ما يمكن تسميته بـ«الردع الخاص»، أي توجيه أقصى العقوبات إلى فئة محدّدة بهدف خلق تأثير نفسي يثني الآخرين عن الفعل ذاته، فإن هذا التفكير ليس جديداً، بل يشكّل جزءاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ عقود، حيث جرى استخدام أدوات متعدّدة، من بينها الاغتيالات وهدم المنازل والاعتقالات الواسعة والتشديد في ظروف السجون، في سبيل إرساء حالة من الردع.
إلا أنه على مدار عقود من الصراع، لم ينجح القتل أو العقوبات القصوى في إنهاء المقاومة، بل غالباً ما أدّت تلك السياسات إلى نتائج عكسية، بإسهامها في تأجيج الغضب وتعزيز الدوافع إلى الانخراط في المواجهة. ذلك أنه في السياقات الاستعمارية، تبدو العقوبات كجزء من واقع يومي يعيشه الأفراد؛ ومع تكرارها، تفقد تأثيرها النفسي، وتتحوّل إلى عنصر متوقَّع، بل أحياناً إلى محفّز إضافي.
وعليه، وإذا كانت أدوات الردع الحالية – بما فيها القتل المباشر – لم تحقّق الهدف المُعلَن منها، فما الذي سيضيفه الإعدام؟ عملياً، يعكس القانون محاولة لإعادة فرض الردع عبر رفع سقف العنف القانوني، لكنه في الوقت ذاته يكشف محدودية الخيارات، حيث يُعاد اللجوء إلى الأدوات نفسها بصيغ أكثر حدّة. وفي هذا الإطار، برز دور وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير، في الدفع نحو إقرار المشروع الذي يساوق توجّهات التيار اليميني المتشدّد، القائمة على الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه.
يبدو مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بمثابة استمرار لنمط قائم أثبت محدوديته
يمكن تعميق فهم هذا التحوّل من خلال استحضار ما طرحته حنا آرنت في كتابها «أيخمان في القدس»، حيث اعتبرت أن الإعدام يصبح إشكالياً عندما يفقد طابعه الاستثنائي ويتحوّل إلى أداة تُستخدم للبعث برسائل سياسية أو لترسيخ هيبة السلطة، وإظهار قدرتها على الوصول إلى أقصى درجات التحكّم بالحياة والموت. لكنّ هذه السياسة تكشف حدود القوة نفسها، خاصة عندما تُستخدم في سياق صراع طويل، حيث تتآكل فعالية الرسائل مع الزمن. فحين تضطرّ السلطة إلى رفع سقف العقوبة باستمرار لإعادة إنتاج التأثير نفسه، فإن ذلك يشير إلى تراجع فعّالية الأدوات السابقة، لا إلى نجاحها.
ويأتي طرح هذا القانون في سياق تصاعد المواجهة بين إسرائيل وأعدائها، وتزايد الضغط الداخلي على حكومة الاحتلال لإظهار «إنجازات أمنية»، وهو ما يدفع الأخيرة إلى تبنّي سياسات أكثر تشدّداً، حتى لو كانت نتائجها غير مؤكّدة. وتفترض تلك السياسات أن الأفراد يتخذون قراراتهم بناءً على حسابات عقلانية للكلفة والمنفعة، في حين أنه في الواقع، تتداخل في هذه القرارات عوامل أخرى، على رأسها: الهوية، التجربة اليومية، الإحساس بالظلم، والدوافع الجماعية. ولذلك، يبدو مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، بمثابة استمرار لنمط قائم أثبت محدوديته. فالتجربة الممتدّة تشير بوضوح إلى أن القتل، مهما تصاعدت أشكاله، لم يكن يوماً كافياً لإنهاء المقاومة. ومع كلّ جولة جديدة من التصعيد، يتكرّر الدرس ذاته، لكن من دون أن يتغيّر المسار.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
