آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » قراءة في الاتفاق بين دمشق وقسد اليوم

قراءة في الاتفاق بين دمشق وقسد اليوم

 

أنس جودة

مهما تغيّرت المعادلات، تبقى القاعدة الأساسية للخروج من المأزق السوري واحدة: أن تنتقل أي سلطة تحكم دمشق من منطق “نحكم لأننا الأقوى” إلى منطق “نحكم لأننا نؤسس دولة للجميع”. والفرق بين “اتفاق وطني” و”تسوية مؤقتة” سيظهر هنا تحديداً: في القدرة على تحويل البنود إلى دولة، لا إلى غلبة جديدة.

العنوان الأساسي للتطورات الأخيرة هو أن ما يجري على الأرض لا يمكن قراءته كتقدّم سياسي تلقائي، بل كإعادة ترتيب لموازين نفوذ تُدار من خارج سوريا أكثر مما تُدار من داخلها. فمنذ اتفاقات تسليم حلب في العام ٢٠١٦ حتى اليوم، كانت خطوط الجبهات تتحرك وفق توازنات إقليمية ودولية أكثر مما تتحرك وفق ميزان شراكة سورية داخلية. ولهذا لايمكن قياس الحقوق باتساع الجغرافيا ولا بكمية السلاح، بل بقدرة أي صيغة جديدة على إنتاج شرعية قابلة للحياة وإدارة تسويات لا تعيد تدوير الحرب.

ضمن هذا السياق تتم قراءة الاتفاق بين السلطة وقسد والذي يمكن اعتباره بكل موضوعية كحدث مفصلي، لا يقدّم تهدئة موضعية فقط، بل يطرح—نظرياً—إعادة توحيد الدولة على أساس واحد: لا إدارتين ولا جيشين ولا اقتصادين بعد اليوم.

فعلى المستوى العسكري والأمني، يتحدث الاتفاق عن وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب تشكيلات قسد إلى شرق الفرات، ودمج أفراد قسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية على أساس فردي بعد التدقيق الأمني، وإزالة الوجود العسكري الثقيل من كوباني، مع تشكيل قوة أمنية محلية تتبع وزارة الداخلية.

وعلى المستوى الإداري والاقتصادي، يطرح تسليماً إدارياً كاملاً للرقة ودير الزور، ودمج المؤسسات المدنية في الحسكة، وانتقال المعابر وحقول النفط والغاز إلى الحكومة، وتولّي الدولة ملف سجون ومخيمات داعش.

أما على المستوى السياسي والحقوقي، فيتضمن تعيين محافظ للحسكة بصيغة تمثيل محلي، واعتماد قائمة مرشحين من قسد لمناصب رفيعة، والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية (المرسوم 13/2026)، ومعالجة قضايا عديمي الجنسية، والعمل على تفاهمات لعودة آمنة للمهجرين. وفي المقابل تلتزم قسد بإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين، وتلتزم الدولة بمكافحة داعش بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

ومع وجود الكثير من ما خلف السطور ، ولكن كل ذلك يجعل الاتفاق يبدو كأنه “وصفة وطنية” لا مجرد تسوية. لكن الميزان الحقيقي ليس في النص، بل في التنفيذ.

الاتفاق الوطني هو الذي يحوّل “الخصوصية الأمنية” إلى لامركزية تملك استقلال مالياً وتمثيلياً ، والتدقيق الأمني إلى ضمانة انتقالية لا مسار إقصاء، وتسليم الموارد إلى عقد مالي شفاف بين الدولة والمجتمع، ودمج السلاح إلى بناء مؤسسة وطنية.

أما التسوية المؤقتة فيمكن أن تستخدم البنود ذاتها كغطاء لإعادة إنتاج الغلبة: ضم بلا شراكة، دمج بلا ضمانات، واستعادة موارد بلا عقد اجتماعي.

وإذا كانت ذرائع التدخلات الخارجية قد بُنيت تاريخياً على فراغ الدولة وسلاح ما فوق الدولة، فإن نجاح هذا المسار يفترض أن يفتح الباب أيضاً أمام إعادة تعريف الوجود التركي في سوريا، وصولاً إلى انسحاب تدريجي وفق ضمانات حدودية متبادلة، بعد تراجع الأسباب التي طالما استند إليها هذا الوجود. وبالمثل، فإن اكتمال السيادة يقتضي أن يوازي هذا المسار إنهاء حالة التشكيلات المسلحة المرتبطة بالخارج، عبر دمجها ضمن مؤسسات الدولة بنفس الطريقة التي تمت مع قسد وفق معايير وطنية موحدة، بحيث لا يبقى السلاح إلا بيد الدولة، لا بيد أي سلطة محلية أو رعاية إقليمية.

المشكلة العميقة أننا ما زلنا نخلط بين “الدولة” و”السلطة”، وبين “السيادة” و”الغلبة”. يمكن بالقوة فرض وحدة الدولة، خصوصاً مع دعم دولي أو غطاء إقليمي، لكن لا يمكن بناء سيادة واحدة مستقرة إذا بقيت السلطة تتصرف ككتلة منتصرة لا ككيان وطني جامع. السيادة ليست بياناً يُعلن ولا علماً يُرفع، بل عقد سياسي يطمئن المجتمع بأن الدولة ليست ملكاً لفريق، ولا غنيمة لحظة، ولا أداة ثأر مؤجّل.

القوة المحلية قد تعزز أوراق التفاوض، لكنها لا تصلح ملاذاً نهائياً. السلاح يتحول سريعاً من ضمانة إلى عبء، ومن قدرة ردع إلى سبب حصار، ومن أداة حماية إلى ذريعة استهداف. والانعزال، مهما بدا آمناً في لحظته، يتحول إلى سجن سياسي واقتصادي، وإلى شعور بالانفصال النفسي يسبق أي انفصال جغرافي.

لهذا فإن المشاريع الوطنية وحدها هي القادرة على الاستمرار، وهي وحدها القادرة على تحويل القوى المحلية—أياً كان حاملها—من أدوات حماية إلى أدوات دولة.

خلاصة الفكرة أنه يمكن فرض وحدة الدولة بالقوة، لكن لن تُبنى دولة جامعة إلا إذا تحولت السلطة من قوة حاكمة إلى دولة حاكمة. وهذا هو الامتحان الوحيد الذي يستحق أن يُسمّى “مخرجاً سورياً”: أن يصبح الوطن أكبر من المنتصر، وأن تصبح الدولة أوسع من السلطة، وأن يعود معنى سوريا من الجغرافيا إلى العقد، ومن السلاح إلى السياسة.
سوريا_لك_السلام

(اخبار سوريا الوطن ٢-صفحة الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القوزلي: عيد النار والزمان في قلب الشتاء

    د. سلمان ريا   في أعماق الشتاء، حين يطول الليل وتغفو الأرض تحت صمتها البارد، يظهر طقس قديم ما زال حيًا في الساحل ...