في هذه الإطلالة يقدم الكاتب والباحث ميخائيل عوض قراءة استراتيجية في توقيت ترامب، واستراتيجيته في اللحظة الحرجة، تبدّل المواقف الإقليمية، وحدود الدورين الروسي والصيني. ويجيب على سؤال هل تراجعت أمريكا عن قرار توجيه ضربة عسكرية ضد إيران؟
*أولًا: نقد العقل الانفعالي وكارثة التحليل السطحي*
ينطلق الكاتب ميخائيل عوض من تفكيك حالة الهلع الإعلامي المصنّع، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحوّلت السياسة والحرب إلى تنجيم رقمي: ساعات صفر، أنواع أسلحة، تواريخ مؤكدة، وسيناريوهات جاهزة.
هذا الضخ – بحسب د.عوض – ليس بريئًا، بل جزء من الحرب النفسية، يهدف إلى إنهاك المجتمعات قبل الجيوش، وإرباك العقول قبل الميادين.
الخطورة هنا ليست فقط في التضليل، بل في تثبيت قواعد تفكير قديمة لم تعد صالحة لقراءة عالم ما بعد 2020، حيث تغيّرت موازين القوى، وتبدّلت وظائف الدول، وانقلبت تعريفات الحلفاء والأعداء.
*ثانيًا: ترامب ومنهج «النفخ والتنفيس»…الرئيس المجنون… كاستراتيجية مدروسة لا كفوضى*
يؤكد د.عوض أن ما يقوم به ترامب ليس تراجعًا ولا ارتداعًا، بل إدارة محسوبة للتوتر عبر:
– تصعيد لفظي حاد
– خلق ذروة قلق عالمي ثم تهدئة مفاجئة، يعقبها تصعيد جديد في ملف آخر
هذه المنهجية، المعروفة بـاستراتيجية الرئيس المجنون، ليست ارتجالًا، بل حرب نفسية مركّبة تهدف إلى:
– إنهاك الخصوم
– تشويش الحلفاء
– شراء الوقت
– وتحضير البيئة السياسية والاقتصادية والعسكرية للضربة الكبرى
ويرى د.عوض أن إعلان ترامب “توقف الإعدامات في إيران” – إن صح – لا يُقرأ بوصفه انتصارًا دبلوماسيًا، بل حلقة ضمن مسار الإغواء قبل الصفعة، وهو مسار خبرته دول وأنظمة سابقة:
صدام حسين، القذافي، عرفات، ومادورو… جميعهم دفعوا ثمن الاعتقاد بأن التنازل المرحلي يحمي من الضربة. وهنا يطرح د.عوض علامة استفهام كبيرة على الموقف الرسمي الإيراني الذي سارع بتأكيد تصريح ترمب بأنه لن تكون هناك إعدامات، هل هذا الموقف للتماشي مع ما يقوله ترمب؟ أم أنه استراتيجية مناورة وشراء وقت؟
*ثالثًا: لماذا إيران؟*
بحسب قراءة عوض، فإن طرح إيران على جدول مهام ترمب العاجلة لأن ترمب يعتقد أن الهدف السهل… والتعويض الاستراتيجي آمن ومضمون.
فإيران أصبحت: الهدف المركزي لترامب ليس خدمةً لنتنياهو، بل لمصالحه هو
فالضربة على إيران تحقق لترامب:
– تعويض فشل إسقاط فنزويلا.
– ضرب أحد أعمدة الطاقة العالمية.
– إعادة تشكيل سوق النفط.
– توجيه ضربة غير مباشرة للصين.
– إعادة تثبيت الهيمنة الأميركية بأقل كلفة بشرية
و الأهم: أن تفكيك إيران يبدأ بالنفط لا بالسلاح النووي، وبالاقتصاد لا بالعقيدة، وبالجغرافيا لا بالشعارات.
*رابعًا: التحوّل الحاسم في الموقف السعودي والخليجي… من التمويل إلى التحوّط… ومن العداء إلى القلق الوجودي*
يسجل عوض تحوّلًا نوعيًا في موقف السعودية ودول الخليج، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
1. *انتهاء مرحلة «تمويل الحروب»*
حيث لم تعد الرياض ولا عواصم الخليج مستعدة لتمويل حرب على إيران أو تحمّل تبعاتها الاقتصادية والأمنية.
2. *إدراك أن ضرب إيران يفقد الحماية للخليج*
بل يزيل أهم خطوط الدفاع المتقدمة.ويفتح الباب أمام استهداف مباشر لاحق.
3. *تحفظ متزايد على استخدام القواعد والأجواء*
وحتى لو لم يصل إلى حد الرفض الصريح، فإن مستوى الحماسة لدى دول الخليج والسعودية صفر، ومستوى القلق مرتفع. هذا التحول وفق د.عوض لا يمنع الحرب، لكنه ينزع عنها الغطاء الإقليمي التقليدي، ويجعلها حربًا أميركية خالصة بأدوات متقدمة، لا حرب تحالفات واسعة كما في 2003.
*خامسًا: الإمارات… البراغماتية الصامتة*
يرى د.عوض أن الإمارات بوصفها كيان مصنع تم نفخه من قبل أمريكا حكومة الشركات لتخديم مصالح أمريكا وإسرائيل هي حالة خاصة في التقييم. فالموقف الإماراتي لديه
خيارات مفتوحة بلا اندفاع
ويضع د.عوض الإمارات في خانة مختلفة عن موقف دول الخليج والسعودية فهي لن تتجه إلى مواجهة مع واشنطن
ولا اندفاع ضد إيران
بل إدارة مصالح ببرود
الإمارات – وفق هذا المنطق – لم تعد رأس حربة ولا حاجز صد، بل: كيان يشتري الوقت ويحافظ على خطوطه الخلفية تاركا” الباب مواربًا لكل الاحتمالات.
*سادسًا: تركيا… القلق يتقدّم على الأيديولوجيا…من الشراكة الوظيفية إلى الخوف من الدور*
يشير د. عوض إلى أن تركيا لم تعد مطمئنة لترامب ولا لوظيفة الوكيل الإقليمي. خاصة أنها تنظر إلى القرار الأخير لترمب بتصنيف بعض تيارات الإخوان كـ«إرهابية» ليس تفصيلًا، بل رسالة مباشرة لأنقرة والدوحة:
“أنتم أدوات مرحلية، لا حلفاء دائمين.”
تركيا اليوم إذآ تعيد قراءة دفاترها القديمة؛ تراقب انهيار الجغرافيا من سوريا إلى العراق
وتدرك أن أي سقوط إيراني يفتح الباب أمام حتمية استهدافها لاحقًا.
*سابعًا: روسيا… الاستثمار في الخراب لا القتال فيه*
يشدد د.عوض على ضرورة فهم معنى الحليف في السياسة وضرورة التخلي عن فكرة أن الحليف يقاتل بدلا عن صاحب القضية، بل تاريخيا كان خرض الحرب بالحليف والوكيل وصفة الخسارة الأكيدة وإن تأجل زمن وقوعها. وبناء على ذلك يؤكد د.عوض أن روسيا لن تقاتل مع إيران ولن تغطي حربًا عليها
لكنها أيضًا لن تكون في صف واشنطن. ويلفت د.عوض أن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفيتي الذي ساند وسلح وقاتل عن حلفائه ثم ترك وحيدا”.ولا دولة عقائدية،
بل لاعب براغماتي يستثمر في:
– ارتفاع أسعار الطاقة
– تآكل الهيمنة الأميركية
استنزاف الغرب
وبالتأكيد ترى روسيا في ضرب الخليج وإيران خدمة لموسكو اقتصاديًا، دون أن يفرض عليها كلفة عسكرية.
*ثامنًا: الصين… الدعم الذكي بلا انخراط…حرب معلومات لا حرب جيوش*
الصين – وفق تحليل د.عوض – هي الأكثر تضررًا استراتيجيًا من ضرب إيران، لكنها:
ليست دولة هجومية ولا تخوض حروبًا بالوكالة العسكرية، بل إن
دعمها لإيران يتمثل في:
– الدعم التكنولوجي
– الحرب السيبرانية
– الاتصالات
– الأقمار الصناعية
– تأمين الاحتياجات الحيوية
هذا ليس قتالًا مباشرًا، بل إدارة معركة طويلة النفس، تفضّل فيها بكين إنهاك الخصم بدل مواجهته. ولا تتخلى فيه عن الحليف أو تستثمر في أزماته.
*تاسعًا: توقيت ترامب… نافذة مفتوحة حتى الخريف…الحرب ممكنة في أي لحظة والقرار شبه محسوم.*
يخلص د.عوض إلى أن قرار ضرب إيران مرجّح بنسبة عالية
والتوقيت يتراوح من الآن حتى الخريف،ويتوقف تأجيل الضربة أو تسريع وقوعها على:
– تماسك الداخل الإيراني
– شكل الاستجابة الإقليمية
– حسابات ترامب الانتخابية والاقتصادية
فترامب لا يخوض حربًا إلا إذا ضمن مشتريها ،وإذا ضمن ثمنها
وإذا خدمته في معركته الكبرى:
إعادة تشكيل العالم على مقاس مشروع ترمب الاستثماري.
*عاشرًا: خاتمة…ما بعد الأوهام… زمن التفكير الجديد*
تحذير الكاتب والباحث ميخائيل عوض ليس لإيران وحدها، بل لكل من ما زال يفكر بعقل 2000
ويحسب الحروب بمعادلات استُهلكت ويراهن على «رهائن» لم تعد موجودة؛ فالقواعد العسكرية الأمريكية لم تعد تعني لترمب شيئًا وهو غير مهتم لاستهدافها. والمضائق المائية إغلاقها سيحاصر الحلفاء لا أمريكا،وإسرائيل التي كانت يد مشروع لوبي العولمة المنفذة لكل مصالحه هي خارج حسابات ترمب ولا يعنيه سقوطها. وحتى استهداف مصالح الشركات الأمريكية من قبل إيران لا يضره فهو ليس شريكا” في أرباح أي منها وأمامه اطماع في نفط أمريكا اللاتينية والخليج وإيران.العالم تغيّر.الجغرافيا انقلبت.والقوة لم تعد حيث كانت.
ومن لا يعيد التفكير…
سيدفع ثمن اجترار أفكار الماضي كاملًا.
الضربة إذآ لم تُلغَ،بل تنتظر التوقيت الذي يخدم ترامب وحده.
ومن لا يفهم تحوّل ميزان القوى،
سيُفاجأ عندما يسقط الوهم دفعة واحدة.
(أخبار سوريا الوطن1-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
