آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » قراءة وتأويل لقصيدة (أختام الابد) للشاعر حسين السياب: الأثر الغائب والحضور المؤجل

قراءة وتأويل لقصيدة (أختام الابد) للشاعر حسين السياب: الأثر الغائب والحضور المؤجل

رياض عبدالواحد السعد

المقدمة:

يُعد نص “أختام الأبد” للشاعر العراقي حسين السياب مثالًا على الشعر الذي يتجاوز حدود الزمن والمكان، ليصبح فضاءً لتأمل وجودي وتاريخي وروحاني في الوقت نفسه. يُعيد النص إنتاج التراث العراقي القديم، بما فيه الأساطير السومرية والبابلية، مع التجربة الذاتية للشاعر، في صياغة شعرية تتقاطع فيها الروح، الوجود، والغياب.

من منظور النقد الانطولوجي التفكيكي لدريدا، يصبح النص مشهدًا مفتوحًا على اللعب بين الحضور والغياب، بين المعنى المؤجل والمركزية المنكسرة، فكل صورة، كل رمز، وكل زمن داخلي للنص، يمثل نقطة تفكيك وإعادة إنتاج للوجود. هذه القراءة تسعى لكشف كيف يعمل النص على تفكيك الثنائيات التقليدية (الحياة/ الموت، الخطأ/ القداسة، الزمن الثابت/ الماضي المنهدم) وإعادة إنتاجها داخل فضاء شعري مفتوح على التأويل.

الحضور والغياب في النص

الجسد المبتور والمعبد الغائب:

(أجرُّ أجنحتي المبتورة نحوَ معبدٍ غارقٍ في الغبار)

تشير الأجنحة المبتورة إلى عجز الوجود عن الاكتمال، والمعبد الغارق يعكس غياب المركز الروحي. في منظور دريدا، هذا يوضح مفهوم الحاضر-الغائب، فالمعبد موجود كنص رمزي لكنه غير متاح، ما يتيح للمتلقي أن يشارك في إعادة إنتاج المعنى.

الأنين التاريخي:

(وأسمعُ من أعماقِ الطين أنينَ إنليل وصدى خطايا أور التي لم تُمحَ بعد…)

تتحرك الأساطير السومرية هنا بين الحضور والغياب، فالشخصيات ليست مجرد أسماء، بل مراكز معنوية مشحونة بالغياب، مما يعكس قدرة النص على استدعاء التاريخ بنحو تجعله حاضرًا معنويًا على الرغم من غيابه الواقعي.

التراث الأسطوري كنص مفتوح:

(تنهضُ إينانا من رمادِ المدن عاريةً من المطر معلَّقةً على جيدِها أساورَ من فتاتِ الزمن تبكي آثاراً منسيّة هدمتها صواعقُ مردوخ)

إينانا هنا تتجاوز دورها الأسطوري التقليدي لتصبح رمزًا للحياة بعد الدمار، وللروح التي لا تموت. هذا يعكس مفهوم دريدا عن النصوص المفتوحة، إذ المعنى ليس ثابتًا، بل دائم التغير، ويخضع للغائب الحاضر الذي يخلق فراغًا تأويليًا للمتلقي.

الثنائيات المتناقضة وانزلاق المعنى:

(لكنّي لا أرى سوى خطيئةٍ تتوهّج وقداسةٍ محجوبة)

يعرض النص ثنائية متناقضة، بيد انها ليست ثابتة: القداسة محجوبة والخطيئة واضحة. وفق دريدا، هذه الثنائيات تكسر المركزية وتكشف عن هشاشة المعاني، وتبرز اللعب بين الغياب والحضور، فيصبح كل معنى مؤجلًا، وكل رمز يحمل غيابًا داخليًا.

الزمن والانطولوجيا التفكيكية:

(أساورَ من فتاتِ الزمن تبكي آثاراً منسيّة)

الزمن في النص متفتت وغير خطي، يتيح قراءة النص كرحلة بين الماضي والحاضر، بين الدمار والخلود. هذا يعكس مفهوم دريدا عن الزمن كـفضاء للتأجيل والانزياح، وليس مجرد خط متواصل. فالنص يعرض الزمن كعنصر انطولوجي يحمل غيابًا حاضرًا.

اللغة والغياب الرمزي:

(والفراتُ يتهدَّل كَثوبٍ أزرق تغسله دموعُ الملوك…)

تجسد اللغة -هنا – الفجوة بين الحضور والغياب: الكلمة تشير إلى معنى، لكنها لا تحققه بالكامل. وفق دريدا، هذه الفجوة هي ما يمنح النص عمقه، حتى يصبح المتلقي شريكًا في إعادة البناء التأويلي.

تحليل المشاهد الرمزية:

١- الأنهار

(أنهارٌ من دجلة تصعدُ نحوَ السماء والفراتُ يتهدَّل…)

تمثل الأنهار التاريخ والحياة المتصلة بالمعنى المفقود. الطموح الصاعد للنهر يعكس محاولة الإنسان الإمساك بالخلود والمعنى، بينما تهدل الفرات رمز للواقع الحزين والتاريخ المنهك.

٢- الأشباح والجن:

(تتشابكُ ظلالُ الجنِّ على الضفاف كأنّها أشباحُ الحروب الغابرة…)

تمثل الاشباح استمرار الأثر التاريخي في الحاضر، مما يعكس مفهوم دريدا عن غياب الحاضر في الزمن.

٣- بوابة الأبد وأختام جلجامش:

(أقتربُ من بوابةِ الأبد أحملُ أختامَ جلجامش على كفّي…)

ترمز البوابة والأختام الى بحث الإنسان عن الخلود والمعرفة. لكنها تبقى مفتوحة على التأويل، تمامًا كما يرى دريدا بالنسبة للمعنى والنصوص.

البنية الانطولوجية الرمزية للنص (مخطط مرسوم):

[الأجنحة المبتورة]

(حاضرة-غائبة → عجز الوجود عن الاكتمال)

[المعبد الغارق]

(غائب-حاضر → مركز روحاني مؤجل)

[إينانا من رماد المدن]

(حاضرة-غائبة → روح التاريخ الحيّة بعد الدمار)

[أنهار دجلة والفرات]

(الحياة-الحزن التاريخي → التاريخ والحركة المستمرة)

[الأشباح/الجن على الضفاف]

(غياب-حاضر → أثر الماضي في الحاضر)

[بوابة الأبد + أختام جلجامش]

(حاضرة-غائبة → بحث الإنسان عن الخلود والمعرفة)

[الثنائيات: خطيئة / قداسة]

(متناقضة → المعاني مؤجلة ومتغيرة)

تفسير المخطط داخل النص:

تمثل الاسهم انتقال المعنى من رمز إلى رمزية أعلى أو فكرة تفكيكية.

كل مربع يوضح: الرمز، حالة الحضور/ الغياب، والتأويل التفكيكي الخاص به.

كما يظهر المخطط كيف تتفاعل الرموز المختلفة داخل النص، ويحوّل النص إلى فضاء انطولوجي متحرك.

استمرارية النص بين التاريخ والروحانية:

يقدم النص رحلة وجودية عبر الزمن، إذ الماضي الأسطوري يعيد تشكيل الحاضر الشعوري:

(تنهضُ إينانا من رمادِ المدن عاريةً من المطر…)

إينانا هنا تتجاوز الزمن والمكان، لتصبح رمزًا للخلود والروح الإنسانية المتجددة. وبذلك يحقق النص التفاعل بين التاريخ والروحانية عبر فضاء شعري مفتوح، متحرّك، ومتعدد المعاني.

خلاصة التحليل التفكيكي:

يحافظ النص على غياب حاضِر في رموزه وتاريخه، مما يجعله متعدد المعاني.

يعتمد على الثنائيات المتناقضة لإظهار هشاشة المعاني المركزية.

الزمن واللغة يمثلان فضاءات للانزياح والتأجيل.

الرموز الأسطورية والتاريخية تصبح مساحات مفتوحة للتأويل.

لهذا كله يعكس النص التجربة الانطولوجية التفكيكية بنحو كامل، كما يوضح هشاشة الثوابت الإنسانية والمعرفية.

الخاتمة:

إن نص “أختام الأبد” للشاعر حسين السياب يمثل تحفة شعرية انطولوجية تفكيكية، إذ تتلاقى الأسطورة والتاريخ والروحانية مع التجربة الذاتية للشاعر. من منظور دريدا، يصبح النص فضاءً مفتوحًا للتأويل، فكل معنى مؤجل، وكل رمزية مشحونة بالغياب. كما يكسر النص الثنائيات التقليدية، ويعيد إنتاج المعنى بنحو دائم، مما يجعل المتلقي شريكًا في رحلة المعنى والوجود.

(النص)

 

أختامُ الأبد

أجرُّ أجنحتي المبتورة

نحوَ معبدٍ غارقٍ في الغبار

وأسمعُ من أعماقِ الطين

أنينَ إنليل

وصدى خطايا أور

التي لم تُمحَ بعد…

تنهضُ إينانا من رمادِ المدن

عاريةً من المطرِ

معلَّقةً على جيدِها

أساورَ من فتاتِ الزمن

تبكي آثاراً منسيّة

هدمتها صواعقُ مردوخ

ثمّ تضحك

كطفلةٍ سكرى

تُخبِّئُ سرَّ الخلود

في قارورةِ نبيذٍ…

أنهارٌ من دجلة

تصعدُ نحوَ السماء

والفراتُ يتهدَّل

كثوبٍ أزرق

تغسله دموعُ الملوك…

تتشابكُ ظلالُ الجنِّ

على الضفاف

كأنّها أشباحُ الحروب الغابرة

ترقصُ في حضرةِ الطوفان…

أقتربُ من بوابةِ الأبد

أحملُ أختامَ جلجامش

على كفّي

وأطرقُ أبوابَكِ الثمانية

لعلّي أجدُ فيكِ

نشيدَ الحياة

لكنّي لا أرى سوى خطيئةٍ تتوهّج

وقداسةٍ محجوبة

تشربُ من كأسِ الليل

وتبتسم

كسرٍّ لا يُفسَّر…

 

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الفنان سليم صبري ينفي تدهور حالته الصحية وزوج ابنته يوضح الحقيقة

شهدت الساعات الماضية انتشار شائعات حول تدهور الحالة الصحية للفنان السوري القدير سليم صبري، ما أثار قلق جمهوره في سوريا وخارجها. لكن هذه الأنباء قوبلت ...