رنا بدري سلوم
في أقصى الجنوب السوري، حيث تتشابك الجغرافيا بالذاكرة، تقف قرى الجولان المهجَّرة شاهداً صامتاً على حكاية اقتلاع لم تُطو صفحاتها بعد، فهذه القرى التي غابت عن الخرائط الرسمية وعن تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، بقيت حاضرة في وجدان أبنائها، وفي وجوه حجارتها البازلتية السوداء التي ما تزال تروي قصة مكان لم يفقد هويته رغم تبدل الأزمنة.
ورغم التهجير وتبدل الواقع السياسي، ظل الجولان السوري المحتل حاضراً في النقاشات المرتبطة بالهوية والانتماء، إذ تعكس هذه القرى، بما تختزنه من تاريخ معماري وأثري، عمق الوجود العربي في المنطقة عبر العصور. كما أن توثيق قصصها بات جزءاً من معركة الحفاظ على الذاكرة الجمعية في مواجهة محاولات الطمس والتغيير.
في هذا التقرير، نحاول الاقتراب من تفاصيل هذه القرى واستعادة حكاياتها الإنسانية والتاريخية، انطلاقاً من شهادات الباحثين وذكريات أبنائها المنتشرين في الداخل والشتات، فبين أطلال تبدو ساكنة، تنبض قصة أرض لم تغب، وذاكرة لم تنكسر، وحق ما يزال ينتظر أن ينصفه التاريخ.
ثمة قرى سورية طواها النسيان لعقود، غابت عن الخرائط وعن أخبار الناس، لكنها بقيت راسخة في الأرض التي، مهما جرى عليها، تبقى سورية، إنها قرى في الجولان السوري المحتل هُجّر سكانها قسراً، وتحولت بيوتها الحجرية إلى أطلال، إلا أن عوالمها لم تمت كلياً، فبين الحين والآخر تعود إلى الظهور عبر مقاطع مصورة يُعاد تداولها على منصات التواصل، تكشف تفاصيل دقيقة من الحياة القديمة في بيوت ما تزال ملامحها قائمة. وتثير هذه المقاطع تساؤلات حول هوية سكان تلك القرى وكيف كانت حياتهم ولماذا غابوا فجأة، لتؤكد في النهاية أن ما يبدو نسياناً ليس سوى غياب مادي، فيما تبقى الجذور ضاربة في الأرض والذاكرة عصية على الزوال.
وخلال نكسة حزيران عام 1967، تمكن الاحتلال الإسرائيلي من السيطرة على هضبة الجولان السورية التي كانت تضم نحو 130 قرية ومزرعة شكّلت فيما بينها نسيجاً اجتماعياً وزراعياً مترابطاً. وكانت قرية اليعربية واحدة من هذه القرى، وهي قرية صغيرة لم يتجاوز عدد بيوتها بضع عشرات. وفي زمن لم تكن فيه الجغرافيا قد خضعت بعد لمنطق الاحتلال، بُنيت بيوتها، كغيرها من قرى الجولان، من الحجر البازلتي الأسود الذي يميز العمارة التقليدية في المنطقة، واعتمد سكانها على زراعة القمح والشعير وتربية المواشي.
واليوم، لم يبق في اليعربية سوى بقايا البيوت وآبار المياه والجدران الزراعية المدرَّجة التي تشهد على حياة كانت عامرة. أما سكانها، فقد توزعوا بين مناطق مختلفة داخل سوريا وخارجها، حاملين ذاكرة قرية تحولت من فضاء للحياة اليومية إلى عنوان للتهجير القسري، ثم إلى رقم في إحصاءات القرى المهجَّرة.
وقد أطلق سكانها اسم “اليعربية” بدلاً من “اليهودية”، تعبيراً عن رفضهم للاحتلال والمجازر الإسرائيلية التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ عام 1948. ولم تكن هذه القرية الوحيدة التي حملت ذاكرة الجولان المحتل ثم غابت عن خريطته السكانية بعد عام 1967، إذ تغيّرت ملامح المنطقة جذرياً، ولم يبق مأهولاً من قرى الجولان السوري المحتل سوى خمس بلدات هي: مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قنية، والغجر.
وتشترك اليعربية في مصيرها مع قرى كثيرة من الجولان، من بينها القنيطرة القديمة، إضافة إلى قرى مثل المنصورة والحميدية وكفر حارب والرفيد. وقد حمل اسم اليعربية بُعداً سياسياً ووجدانياً يعكس تمسك أهلها بهويتهم العربية وذاكرتهم الجمعية، قبل أن تتحول إلى مكان مهجور أو مدمَّر، ويغادرها سكانها قسراً ليعيش معظمهم في الشتات داخل سوريا أو خارجها، حاملين معهم ذاكرة الأرض والبيوت والحقول.
ويشير كتاب “الجولان في مصادر التاريخ العربي” للمؤلف تيسير خلف (2005) إلى تطور الهوية العربية في المنطقة عبر العصور، فيما يوثق كتاب “الجولان.. تاريخ وجذور” لأحمد محمود حسن (2006) أن قرية اليعربية بقيت مأهولة بالسكان حتى حرب حزيران عام 1967، حيث هُجّر معظم سكانها بعد احتلال هضبة الجولان، لتواجه مصير عشرات القرى التي تحولت إلى أماكن مهجورة. فبعد أن كانت اليعربية قرية زراعية نابضة يعتمد سكانها على الفلاحة وتربية المواشي، لم يبق منها سوى بقايا بيوت حجرية وأراضٍ زراعية خالية تشهد بصمتها على حياة كانت هنا يوماً.
وتعود جذور الاستيطان في قرية اليعربية وقرى الجولان بشكل عام إلى عصور تاريخية متعددة، وفقاً للباحثة في الآثار والمتاحف حنان خشوف، التي أوضحت في حديثها لـ”الثورة السورية” أن هذه القرية شكّلت نموذجاً للقرى المهجَّرة في الجولان السوري المحتل، والتي بقيت مأهولة بالسكان حتى عام 1967. وتتميز بطابعها المعماري الفريد القائم على الحجر البازلتي الأسود، وهي السمة الأبرز في بيوت الجولان التقليدية. وتقع القرية في منطقة تعاقبت عليها حضارات عدة، من الرومانية والبيزنطية، التي لا تزال آثارها حاضرة في الطرق المرصوفة والمعابد الحجرية، إلى العهدين الأيوبي والعثماني، حيث حافظت على استمراريتها كمركز زراعي مستفيد من خصوبة الأرض التي ميّزت المنطقة.
وتكشف الدراسات الميدانية للقرى المهجَّرة في الجولان السوري المحتل عن بقايا أثرية متناثرة، أبرزها بيوت حجرية بازلتية شُيّدت وفق الطراز التقليدي للمنطقة، إضافة إلى أساسات أبنية قديمة تعود إلى فترات تاريخية أقدم. كما تنتشر في أرجاء القرية آبار المياه والخزانات الحجرية التي كانت تُستخدم لتجميع مياه الأمطار، وتبرز على أطرافها مدافن حجرية قديمة تُعد ظاهرة معروفة في الجولان، إلى جانب بقايا جدران زراعية ومدرّجات استُخدمت لتنظيم الأراضي الزراعية واستثمارها.
وتوضح خشوف أن العمارة التقليدية في اليعربية تماثل عمارة قرى الجولان الأخرى، إذ امتازت البيوت الحجرية بالصلابة والمظهر المميز، فيما اعتمدت الأسقف على العقود الحجرية أو العوارض الخشبية، وبُنيت المنازل متقاربة حول ساحات داخلية صغيرة تحيط بها حظائر المواشي، في انعكاس واضح لطبيعة الحياة الزراعية التي عاشها السكان.
ويعيش اليوم معظم أبناء اليعربية في مناطق متفرقة داخل سوريا أو في الشتات، يحملون في ذاكرتهم تفاصيل القرية وحنين العودة إليها. وتشير خشوف في هذا السياق إلى أن أي توتر سياسي مرتبط بهضبة الجولان يعيد إلى الواجهة النقاش حول الهوية واللغة العربية وسكان المنطقة، فيما تبقى مسألة المراجع والكتب التي توثق تاريخ الجولان المحتل موضع تساؤل، ولا سيما أن بعضها سُحب من التداول في فترات مختلفة.
وتمثل قرى الجولان السوري المحتل فصولاً مفتوحة من تاريخ سوري يمتد لآلاف السنين، شهد تعاقب حضارات واختلاط ثقافات، وظلت رغم كل المتغيرات محافظة على هويتها العربية. لذلك فإن تسليط الضوء على هذه القرى يشكل توثيقاً أثرياً واستعادة للذاكرة، فضلاً عن كونه واجباً وطنياً وثقافياً، في ظل محاولات الاحتلال المستمرة لطمس معالمها وتهويد ذاكرتها. فكل صورة تُنشر، وكل دراسة تُنجز، وكل حديث عن تفاصيل الحياة فيها، هو شكل من أشكال المقاومة الهادئة التي تعيد تثبيت الحق التاريخي، وتؤكد أن هذه الأرض سورية مهما طال الزمن. وما يبدو للبعض مجرد أطلال، هو في الحقيقة شاهد حي على حق لا يسقط بالتقادم، وذاكرة جمعية لا يمكن لأي احتلال أن يلغيها.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
