آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » قصة “ثمرة الجوز العنيدة”

قصة “ثمرة الجوز العنيدة”

 

مفيد عيسى احمد

لا بدّ لي من قطع شجرة الجوز التي زرعتها في حديقة منزلي، و قد جهزت منشاراً و فأساً لذلك.
صار عمرها عشر سنوات و لم تثمر، لا فائدة منها سوى ظلّها في الصيف، و يمكنني الاستغناء عنه، فوجودها صار يشكل استفزازاً لي.
قالت زوجتي:
– لا تقطعها، طعمّها من شجرة أخرى.
لم آخذ بكلامها، وضعت المنشار على جذعها؛ نظرت إلى الأعلى لأقدّر أين ستقع، تراءى لي ثمرة مخبوءة في لفيف أوراق أعلى غصن منها، وضعت المنشار لأدقق النظر، ربّما تخيلت ذلك، أو أنّ التفاف الأوراق شكّل ما يشبه الثمرة.
تبيّن لي أنّها ثمرة حقيقية، لقد أثمرت، قلت في نفسي وأنا أبحث عن ثمار أخرى، لم أجد غيرها، ثمرة وحيدة واحدة.
عدلت عن قطع الشجرة، فقد تكون فاتحة خير، و لا بد أن تحمل في الموسم القادم.
صباح اليوم التالي اقتربت منها، خلعت حذائي و ما إن وضعت قدمي على جذعها حتى سألتني زوجتي:
– ماذا تفعل؟
– هناك ثمرة في أعلى الشجرة، سأقطفها.
– ثمرة واحدة؟
– نعم.
– هل تستحق ثمرة واحدة أن تغامر و تصعد لأجلها.
– ليست مغامرة ، صحيح أنها ثمرة واحدة لكنها ثمرة تعبي أيضاً و لا بد من قطفها.
– اتركها لأمها، مجرد ثمرة واحدة..
لم ألتفت لرأي زوجتي و بدأت محاولة التسلّق. كان الجذع أملس لارتفاع مترين تقريباً و ليس هناك ما أتمسّك به.
انزلقت عن الجذع مرات و زوجتي تراقب ذلك باسمةً من داخل المنزل، تلك الابتسامة التي تلتقي فيها السخرية بالمرح، أجلّت التسلّق إلى اليوم التالي محتجاً بألم في قدمي، قالت زوجتي:
– اترك الثمرة، لن تحصل عليها، ليس عبثاً أن تخبئها في أعلى غصن منها، اتركها فهي لا تريد لأحد أن يأخذها.
– و ما أدراك؟
– هذه الشجرة أنثى، و الأنثى تفهم الأنثى.
عاودت المحاولة في اليوم التالي، تجاوزت الجذع بصعوبة و وصلت إلى عب الشجرة، تابعت تسلّق الفرع الذي يحمل الثمرة، بعد ارتفاع قصير نظرت إلى الأعلى، رأيت الفرع عالياً مستقيماً و مخيفاً، قلت في نفسي: كيف سأصل إلى أعلاه حيث توجد الثمرة؛ و أنا لست ماهراً بالصعود؟
نزلت عن الشجرة محبطاً، لكني لم أعدل عن الحصول على الثمرة.
بعد أيام شحذت همتي و مضيت باتجاه الشجرة، أتاني صوت زوجتي تقول:
– ما أعند الرجال! ما زلت تريد الحصول على الثمرة، يا رجل اتركها، ليس عبثاً أنها ثمرة واحدة و أنّ الشجرة جعلتها في مكان يصعب الوصول إليه، يجب أن تعرف أنها لا تريد منحها لأحد.
التفت إلى زوجتي و قلت ساخراً:
– هل أخبرتك هي بذلك، إن كانت فعلت فالأمر لا يعدو هرجاً و كلام “نسوان”
محاولتي الجديدة تجاوزت السابقة، تسلّقت ثلث الفرع تقريباً دون أن أنظر إلى الأعلى، توّقفت لأستريح، فجأة شعرت أن الشجرة بدأت ترتجف، انتابني خوف جعلني أتشبث بالجذع و لم أعد أستطيع الصعود أو النزول، بحذر و خشية بدأت النزول.
أربكني إحساسي أن الشجرة تهتّز، زُلت قدمي و انزلقت عن الفرع ساقطاً إلى عب الشجرة، ثم إلى الأرض.
أصابتني رضوض و سحجات مختلفة في جسدي، في صدري و بطني و ساقي خاصة، و كان الألم شديداً أقعدني أياماً عدة، و مع ذلك لم أنقطع عن التفكير بكيفية الحصول على الثمرة.
قال جاري الذي جاء يطمئن علي:
– شجرة الجوز “معاومة” عاماً تعطي محصولاً جيداً، و آخر لا تعطي، و إن أعطت فالقليل، و هذه الشجرة ستعطيك محصولاً جيداً في العام القادم، فاترك الثمرة، لا قيمة لها.
فكرّت بكلام جاري و قلت في نفسي: كلامه منطقي، فلأتركها.. إنها مجرد ثمرة واحدة، في العام المقبل سيكون هناك موسم يستحق العناء.
لكن تلميحات زوجتي و نظراتها، كانت تبدو و كأنها تعيرني بعجزي عن الحصول على الثمرة؛ رغم أنها تقول كلامياً عكس ذلك، هذا ما جعلني أصمم على قطفها من جديد.
ما إن تماثلت للشفاء حتى تدبرّت عصاً طويلة و سلماً أستطيع بهما الوصول إلى الثمرة، بعد أن رأيت من بعيد جاري يفعل ذلك.
بعد محاولات مجهدة سقطت الثمرة، نزلت عن السلم و التقطتها بظفر، كان لحاؤها الأخضر قد جفّ و رقّ و بدأ يتقشّر، كسرت القشرة الخشبية و فتحتها بلهفة، لم يكن فيها سوى هباب أسود!؟ و كأن ما كان فيها احترق، قذفتها بنزق و خيبة و جلست كمن يستريح من معركة خاسرة.
من زجاج نافذة المطبخ، لمحت زوجتي تبتسم بخبث و استهجان، فتحت النافذة و قالت:
– لقد أخذت ما لا تريد إعطاءه، سلبتها فرحتها، كانت ستعطيك أضعافاً مضاعفة في العام القادم، لكنك مثل كل الرجال لا تعرفون الصبر و التأني.
بدأت الشجرة تذبل يوماً بعد يوما، لم تنجح كل الجهود التي بذلتها لوقف ذلك؛ من سقايتها بالماء و معالجتها بأدوية وصفها مهندس زراعي.
سلمت بالأمر و لم أعد أكترث بها؛ بينما زوجتي ظلت
تراقب الشجرة بأسى و تعاطف غريب.

 

 

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن-مجلة الشارقة)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نجاحات صغيرة وجرأة غير مسبوقة.. كيف بدت الدراما السورية في رمضان 2026؟

بات من الممكن الحكم على موسم الدراما السورية في رمضان 2026، ومبدئيا، يمكن القول إن الصناعة مستمرة رغم الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد. وإن كان ...