آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » قليل من الـ AI يُنعش قلب الإعلام!

قليل من الـ AI يُنعش قلب الإعلام!

 

حوراء حوماني

 

«كانت السنوات العشر الأخيرة في تكنولوجيا المعلومات تتمحور حول تغيير طريقة عمل الناس، بينما تركّز السنوات العشر المقبلة على التحوّل في طريقة العمل ككل».

 

هذا ما يتنبأ به مؤسس شركة Box لإدارة المعلومات الأميركي آرون ليفي حول طبيعة العمل في العالم الرقمي وتأثيراتها على حقول الأعمال، منها المؤسسات الإعلامية التي تواجه تحديات شتى.

 

فالتحولات الحاصلة في هذا العصر تضع عدداً من الوقائع بحالة من التضاد أو المواجهة: الترند بدل الاستقصاء، الخوارزميات في مواجهة الحريات، الجماهير الضاغطة بدل المتابِعة، إلى جانب هوس زيادة الانتشار في ظل التنافس غير المتكافئ، ومعارك حماية الملكية الفكرية في مواجهة المنصات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي التي تسعى إلى الاستحواذ على المحتوى، والمزيد من الهجمات من السياسيين، واستمرار التحديات الاقتصادية.

 

هذه التحديات كانت جزءاً يسيراً من تقرير «اتجاهات وتوقعات الصحافة والتكنولوجيا لعام 2025» الصادر عن «معهد رويترز لدراسة الصحافة»، الذي أعدّه الباحث الرئيسي في المعهد نيك نيومان ومديرة تطوير القيادة في المعهد فيديريكا تشيروبيني. استند التقرير إلى استطلاع شمل 326 من قادة وسائل الإعلام من 51 دولة، من بينهم 65 رئيس تحرير، و63 مديراً تنفيذياً أو مديراً عاماً، و53 رئيساً لقسم الرقمنة أو الابتكار. شمل المشاركون ممثلين عن بعض أبرز المؤسسات الإعلامية التقليدية والرقمية حول العالم.

 

يمثل التقرير خارطة طريق حيوية لفهم التحديات التي تواجه الإعلام التقليدي المتوقعة في العام الحالي، مركّزاً على تحليل هذه التحديات في ظل التطورات التكنولوجية الحديثة. يضيء أيضاً على الفرص المستقبلية في المشهد الإعلامي المتغير، مقدماً رؤى حول كيفية التعامل مع التطورات السريعة في التكنولوجيا والسوق الإعلامي. فما هي أبرز التحديات التي تواجهها المؤسسات الإعلامية هذا العام وكيف اقترح التقرير مواجهتها؟

 

تراجع النفوذ التقليدي لوسائل الإعلام الكبرى

يفصّل التقرير في التحديثات الحالية والمتوقع تزايدها انطلاقاً من انخفاض كبير في ثقة القادة الإعلاميين بمستقبل الصحافة، إذ يعبّر 41% فقط من المحررين والمديرين التنفيذيين والمسؤولين الرقميين عن تفاؤلهم بشأن مستقبل الصناعة الإعلامية التقليدية، بانخفاض قدره 19% مقارنة بعام 2022. يعزى هذا التراجع إلى عوامل عدة منها الاستقطاب السياسي، الهجمات على الصحافة، والمخاوف بشأن استقلالية وسائل الإعلام.

 

تأثير الذكاء الاصطناعي

 

يشير التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيضحي لاعباً أساسياً في بيئة الإعلام، سواء في إنتاج المحتوى أو تحسين سير العمل، خصوصاً مع الاستكشاف المتزايد لإمكاناته في إنشاء المحتوى، وجمع الأخبار، والتفاعل مع الجمهور، ومحاولات دمجه في غرف الأخبار.

 

ويُقرّ 87% من الناشرين بتأثيره الكبير على العمليات الصحافية. لكن التقرير يؤكّد أن هذا الذكاء سيمثل مصدر قلق لصناعة الأخبار على مستويات عدّة. مثلاً، تقلّل تقنيات البحث الجديدة من حركة المرور على المواقع الإخبارية التقليدية، حيث توفر محركات البحث والروبوتات التفاعلية ملخصات للمحتوى من دون الحاجة إلى زيارة المصادر الأصلية. ويستند الباحثان إلى أن وسائل الإعلام التقليدية فقدت جزءاً كبيراً من حركة المرور القادمة من وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما من فايسبوك وإكس.

 

ويُعبر الناشرون عن قلقهم إزاء الانخفاض المحتمل في حركة البحث الإحالية والظهور مع بدء واجهات الذكاء الاصطناعي في تقديم إجابات تشبه «القصص الإخبارية» عند البحث عن الأخبار، ومع ظهور تجارب البحث التوليدية (SGE) وروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تقلّص من تدفق الجمهور على مواقع الأخبار التقليدية، ما يفرض ضغوطاً إضافية على نماذج الأعمال الحالية.

 

التحديات المالية وتراجع الإيرادات

 

التحديات المالية حاضرة بقوة في المشهد الإعلامي، إذ إن عدداً من المؤسسات الإعلامية التقليدية تعاني من تراجع الإيرادات بسبب انخفاض الإعلانات. ويعود هذا التحدي إلى انخفاض ثقة الجمهور في وسائل الإعلام التقليدية، ما يصعّب عملية الحفاظ على نفوذها بحسب التقرير، معتمدة على الاشتراكات كمصدر رئيسي للإيرادات بنسبة 77% بحسب التقرير.

 

صعود الإعلام البديل و«المؤثرين»

 

يضيء التقرير على تأثير صنّاع المحتوى على الوسائل الإعلامية، مشيراً إلى تزايد نفوذهم. إذ باتت شخصيات فردية مثل «المؤثرين» على مواقع التواصل، تنافس المؤسسات الإعلامية التقليدية في تقديم الأخبار والتحليلات، وغالباً ما تجد جمهوراً أكثر ولاءً. ويرى بعض الناشرين خطر هذا الاتجاه في تزايد مخاطر المعلومات المضللة التي ينشرها هؤلاء.

 

كما أبرزت الانتخابات الأميركية القوة المتزايدة لنظام إعلامي بديل يشمل شخصيات إعلامية متحيزة وصنّاع محتوى يعملون غالباً خارج المعايير الصحافية، وسط اعتقاد بأنهم تجاوزوا الإعلام التقليدي من حيث التأثير والثقة. ويفضّل بعض السياسيين كالرئيس الأميركي دونالد ترامب، التواصل مع الناخبين مباشرة عبر هذه المنصات البديلة عوضاً عن إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام التقليدية، ما يحدّ من دور الصحافة في تشكيل الخطاب العام.

 

تزايد ظاهرة إرهاق الأخبار (News Fatigue)

 

حُدِّد إرهاق الأخبار بين الصحافيين والجمهور على حد سواء باعتباره مصدر قلق رئيسياً لأنّه يدفع الجمهور إلى تجنب الأخبار. ويتمثل في حالة من الإجهاد العقلي والنفسي التي يشعر بها الأفراد بسبب التعرض المفرط والمتكرر للأخبار والأحداث نفسها، خصوصاً تلك التي تحمل طابعاً سلبياً مثل الأزمات السياسية، والكوارث الطبيعية، والأحداث العنيفة، بالتزامن مع الإحساس بعدم القدرة على التغيير.

 

دعم الصحافة الاستقصائية والتركيز على المحتوى المتخصص الذي يصعب على الذكاء الاصطناعي أو المؤثرين تقديمه بالجودة نفسها

 

وقد أفاد 43% من القادة الإعلاميين بأن جمهورهم يعاني من إرهاق الأخبار، ما يؤدي إلى انخفاض التفاعل مع المحتوى الإخباري ويدفع وسائل الإعلام للبحث عن طرق جديدة لجذب الجمهور من دون إثقاله بالأخبار السلبية والمستمرة.

 

الفرص المتاحة… هل من مستغل؟

 

يعرض التقرير للفرص الحالية والمستقبلية التي قد تخلقها هذه العناصر نفسها إذا ما وُظِّفت بشكل ذكي، فيقدم مقترحات عدة لمواجهة التحديات أعلاه.

 

يتوقع التقرير أن يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في غرف الأخبار، عبر أتمتة المهمات الروتينية مثل تحرير التقارير الصحافية الأولية، وتحليل البيانات الضخمة لتقديم تقارير أكثر دقة وعمقاً، والتحقق من الأخبار، وتحليل المحتوى الصوتي والمرئي. ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تقديم محتوى مخصّص للجمهور وتعزيز تجربة المستخدم على المنصات الرقمية. كما يجب على المواقع الإخبارية تحسين تقنيات البحث، إذ تظل مصدراً رئيسياً للمعلومات حتى مع ظهور محركات بحث مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

 

لكن ذلك كلّه لا يتحقق من دون إدارة التطوير على مستوى الموارد البشرية داخل غرف الأخبار، لذا تبرز ضرورة تدريب الصحافيين على أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل تحويل النصوص إلى صوت، والترجمة الفورية، وتلخيص المقالات، وضرورة مواكبة التقنيات الجديدة التي تغيّر طريقة الوصول إلى المعلومات.

 

ولا بد من تنويع المنصات وقنوات الوصول، خصوصاً مع الاتجاه المتزايد للاستثمار في منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك مع تسجيل نقاط صافية إيجابية للاستثمار فيها بحسب التقرير، في مقابل تراجع أهمية بعض المنصات الأخرى مثل فايسبوك بنسبة 67% وإكس بنسبة 50% لمصلحة منصات جديدة.

 

تنويع مصادر الدخل

مع تراجع عائدات الإعلانات التقليدية، أصبحت الاشتراكات والمحتوى المخصص أساساً لاستدامة الأعمال. لذا ينصح التقرير بعدم الاعتماد على مصدر دخل واحد بل التنويع به. ويركّز على التقليل من الاعتماد على الإعلانات الرقمية التي أصبحت أقل ربحية، والاتجاه نحو نموذج الاشتراكات المدفوعة، كما فعلت «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، إلى جانب البحث عن صفقات ترخيص المحتوى مع شركات الذكاء الاصطناعي. إذ يتوقع أن تصبح هذه الاتفاقيات مصدر دخل رئيسي لعدد من المؤسسات الإعلامية.

 

ويلاحظ أنّ 36% من الناشرين يتوقعون تحقيق إيرادات كبيرة من صفقات الترخيص هذه، أي ضعف النسبة المسجلة في العام السابق، ما يعكس الاعتماد المتزايد على اتفاقيات الترخيص لاستخدام المحتوى الإخباري في الخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويضيف التقرير إمكانية تقديم خدمات أخرى مثل الفعاليات المدفوعة، والتدريب الإعلامي، والاستشارات الصحافية كمصادر دخل إضافية تساعد في مواجهة الأزمات المالية وضعف الإيرادات.

 

التعاون مع «المؤثرين» وصنّاع المحتوى

 

بدلاً من اعتبار «مؤثري» مواقع التواصل منافسين ومصدر تهديد، يقترح التقرير بناء شراكات ذكية عبر تعاون المؤسسات الإعلامية معهم عبر إشراكهم في التقارير الإخبارية أو استضافتهم في البرامج التفاعلية للإفادة من تقنيات السرد الإبداعي وإستراتيجيات التفاعل مع الجمهور التي يستخدمونها لتوسيع القاعدة الجماهيرية.

 

إعادة التفكير في نماذج العمل

 

يقترح التقرير إعادة تقييم الإستراتيجيات الإعلامية الإنتاجية والتسويقية لتطوير محتوى مناسب لمنصات التواصل الاجتماعي، مثل مقاطع الفيديو القصيرة والقصص التفاعلية والمناقشات المباشرة مع الجمهور، لضمان وصول الأخبار إلى فئات جديدة، ما يستتبع تدريب العاملين على صناعة محتوى شبيه. ويجد الباحثان أنّ الأفضلية تتمثل في دعم الصحافة الاستقصائية والتركيز على الصحافة التفسيرية والمحتوى المتخصص الذي يصعب على الذكاء الاصطناعي أو المؤثرين تقديمه بالجودة نفسها، إلى جانب الاستثمار في الأخبار المحلية التي تميّز الصحافة التقليدية عبر تغطية قضايا قد لا تغطيها وسائل الإعلام البديلة.

 

ولمواجهة إرهاق الأخبار، ينصح التقرير بتقديم تقارير أكثر توازناً، وإضافة سياق أعمق للأحداث، بدلاً من التركيز فقط على العناوين المثيرة والقصص العاجلة.

 

تعزيز العلاقة مع الجمهور وبناء الولاء

 

لإعادة جذب الجماهير التي فقدت عادة متابعة الأخبار في السنوات الأخيرة، وإيجاد طرق لجذب الجيل الجديد، يعمل عدد من الناشرين على تحسين جودة مواقعهم الإلكترونية وزيادة الاستثمار في المحتوى الصوتي والمرئي، وكذلك ابتكار تجارب مخصّصة للمستخدمين لجذب ولاء الجمهور وفقاً لتحليل احتياجاتهم واهتماماتهم، خصوصاً على اعتبار أنّ 2025 هو عام احتياجات الجمهور.

 

كما تُجري المؤسسات تجارب على التفسيرات المختصرة، والقصص الإنسانية، وأساليب السرد المبتكرة. ويركّز التقرير على أهمية تعزيز الشفافية لاستعادة ثقة الجمهور عبر تقديم محتوى موثوق ودقيق والتحقق من الأخبار لمحاربة المعلومات المضللة، ما يعزز ثقة الجمهور بالمحتوى المقدّم من جهة، ونشر بيانات واضحة حول مصادر التمويل والسياسات التحريرية لضمان الشفافية والاستقلالية من جهة أخرى.

ويركّز التقرير على ضرورة جذب المواهب والاحتفاظ بها، خصوصاً في المجالات الرقمية الحديثة لمواكبة العصر.

 

«ترامب بامب»

 

يذهب التقرير في سرد التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية العالمية والأميركية، خصوصاً أبعد من التطورات التكنولوجية نحو التدخلات السياسية. إذ يطرح الباحثان احتمالية تأثير عودة ترامب إلى الرئاسة على واقع الإعلام على مستويات مختلفة، منها زيادة حركة المرور على مواقع الأخبار وارتفاع معدلات الاشتراك بما يُعرف بـ Trump Bump، وهو يعكس الاهتمام العام المتزايد خلال الفترات السياسية المضطربة.

 

لكن التقرير يضيف احتمال تصاعد الهجمات على وسائل الإعلام الإخبارية، إذ هدد ترامب بإلغاء تراخيص البث لبعض الشبكات التلفزيونية التي يجد أنها تقدم تغطية «غير عادلة»، مقترحاً سجن الصحافيين الذين يرفضون الكشف عن مصادرهم، وهو ما قد يؤثر على حرية الصحافة.

 

كما يتوقع التقرير أن يحدّ ترامب من وصول الصحافيين التقليديين إلى المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض، بينما يعزّز علاقاته مع وسائل إعلام بديلة داعمة له. ويستشهد بمحاولات ترامب تجاوز وسائل الإعلام التقليدية خلال الانتخابات الأميركية الأخيرة، مفضّلاً التواصل عبر قنواته الخاصة أو عبر وسائل إعلام بديلة، ما يعكس التحوّل الأخير وتراجع تأثير القنوات التلفزيونية التقليدية.

 

إذاً، يقرّ التقرير أن الإعلام التقليدي مهدد، ولكنه قادر على الصمود والتكيّف مع التحديات التي تفرضها التغيرات التكنولوجية والاقتصادية على العاملين في الإعلام، متمسكاً بنقاط قوته الحقيقية الكامنة في المصداقية «إن وُجدت»، والتحليل العميق، والتغطية الموثوقة. وإذا استطاعت وسائل الإعلام التقليدية جمع هذه العناصر مع تبني التكنولوجيا الحديثة التي تفتح أبواباً جديدة للابتكار، ستتمكن من الحفاظ على دورها في المشهد الإعلامي المستقبلي وإعادة تعريف أدوارها في بيئة إعلامية تتبدل بسرعة، مدفوعةً بالتقدم التكنولوجي، وتغيّر سلوك الجمهور، والتأثير المتزايد للمبدعين الأفراد.

 

لكن مع تسارع تطلعات الجمهور الذي غدا مستخدماً أكثر من كونه متلقياً سلبياً، سيكون التحدي الأساسي في العام الحالي وما يليه هو تحقيق التوازن بين تبني التغيير والتمسك بالقيم الصحافية الأساسية، فهل هذا قابل للتطبيق؟

 

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١_الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مسلسل “ليالي روكسي” يثير الجدل ويُعيد للأذهان أول فيلم سينمائي سوري

كشفت الشركة المنتجة لمسلسل “ليالي روكسي”، المقرر عرضه في رمضان المقبل، عن مجموعة من المقاطع الترويجية التي جذبت انتباه الجمهور وأثارت فضولهم. هذه المقاطع الترويجية ...