إبراهيم رضوان
في وقت تتصاعد فيه التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، وتُعلن فيه دول المنطقة عن اقترابها من عتبات نووية حساسة، يعود إلى الواجهة ملفٌ ظلّ لأكثر من ستة عقود من أكثر الملفات إثارةً للجدل في الشرق الأوسط: “البرنامج النووي الإسرائيلي”. في هذا السياق، تبرز أهمية العودة إلى كتاب «الخيار شمشون: الترسانة النووية الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأمريكية»، للصحفي الاستقصائي الأمريكي سيمور هيرش، بوصفه أحد أبرز الأعمال التي تناولت هذا الملف شديد الحساسية.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على صدوره، لا يزال الكتاب مرجعاً مهماً لفهم الأسس السياسية والقانونية التي قامت عليها سياسة الغموض النووي الإسرائيلي. ولا تكمن أهميته فقط في ما كشفه من معلومات، بل في كونه صادراً عن صحفي أمريكي معروف، اعتمد على وثائق وشهادات من داخل المؤسستين السياسية والأمنية في الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يمنحه وزناً خاصاً في نقاش الانتشار النووي وازدواجية المعايير في النظام الدولي.
والهدف من هذه القراءة لا يقتصر على استعراض مضمون الكتاب، بل يتجاوز ذلك إلى فكّ شفرة العقلية الاستثنائية التي تحكم ملفاً يمس أمن الملايين، ويضع مبادئ العدالة الدولية موضع تساؤل.
أولاً: ماذا يقول الكتاب؟
يركّز هيرش على الكيفية التي تحولت بها إسرائيل، منذ خمسينيات القرن الماضي، إلى قوة نووية فعلية دون إعلان رسمي، مستفيدةً من تعاون دولي سري، كان أبرز مظاهره الدور الفرنسي في بناء مفاعل ديمونة، ثم من التغطية السياسية الأمريكية اللاحقة التي اختارت “عدم المعرفة” بدل المواجهة.
ويشرح الكتاب أن إسرائيل لم تسعَ فقط إلى امتلاك قدرة نووية، بل إلى ترسيخ عقيدة ردع خاصة، أطلق عليها هيرش مصطلح «الخيار شمشون»، في إشارة توراتية إلى شمشون الذي هدم المعبد على نفسه وعلى أعدائه. والمقصود هنا هو استعداد الدولة، في حال شعورها بتهديد وجودي نهائي، لاستخدام قوتها النووية استخداماً شاملاً، حتى وإن أدى ذلك إلى دمار واسع يتجاوز حدودها.
هذه العقيدة، كما يعرضها الكتاب، لم تُعلن رسمياً، لكنها ظلت حاضرة في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، وتُستخدم بوصفها ردعاً نفسياً وسياسياً بقدر ما هي قدرة عسكرية. ومع أن بعض التفاصيل الفنية التي كشفها هيرش قد تغيّرت بمرور الزمن، فإن الركائز السياسية والقانونية والاستراتيجية التي تناولها لا تزال قائمة، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من بنية العلاقات الدولية في المنطقة.
ثانياً: سياسة الغموض النووي؛ تحايل أم استراتيجية؟
أحد أبرز مفاهيم الكتاب هو “الغموض النووي المتعمّد”؛ إذ لا تؤكد إسرائيل امتلاكها للسلاح النووي ولا تنفيه، ولا تخضع منشآتها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي الوقت ذاته تُعامل دولياً كحليف “مسؤول”.
سياسياً؛ حققت هذه السياسة مكاسب واضحة، من بينها:
ردع الخصوم دون تحمّل كلفة الإعلان.
تجنّب الضغوط والمساءلة القانونية الدولية.
والحفاظ على علاقات استراتيجية وثيقة مع القوى الغربية.
غير أن السؤال الجوهري يبقى قانونياً: هل يُعفي الغموض الدولة من المسؤولية؟ هذا السؤال يقود مباشرة إلى الإشكاليات التي يثيرها البرنامج النووي الإسرائيلي في إطار القانون الدولي.
ثالثاً: القراءة القانونية للبرنامج النووي الإسرائيلي من منظور القانون الدولي، يثير هذا الواقع ثلاث إشكالات رئيسية:
نظام عدم الانتشار النووي :(NPT)
إسرائيل ليست طرفاً في المعاهدة، لكنها تمتلك سلاحاً نووياً فعلياً، وترفض التفتيش الدولي، وتوجد في منطقة أعلنت الأمم المتحدة مراراً ضرورة جعلها منطقة خالية من الأسلحة النووية.
في المقابل، تُفرَض على دول أخرى، حتى في مرحلة الشك أو الاستخدام السلمي، عقوبات وضغوط صارمة، ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مبدأ المساواة بين الدول أمام القانون الدولي.
التهديد باستخدام القوة:
القانون الدولي لا يجرّم استخدام السلاح النووي فحسب، بل يجرّم أيضاً التهديد باستخدامه. وعليه، فإن عقيدة “الخيار شمشون”، حتى بصيغتها غير المعلنة، يمكن تفسيرها كتهديد ضمني باستخدام قوة مفرطة، بما يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ الضرورة والتناسب.
مسؤولية الدول الداعمة:
يفتح الكتاب، ولو ضمنياً، باب المساءلة الأخلاقية والقانونية للدول التي ساعدت في إنشاء البرنامج أو وفّرت له الغطاء السياسي. ووفق مشروع لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، فإن المساعدة أو التسهيل قد يحمّلان الدولة الداعمة جزءاً من المسؤولية.
رابعاً: البعد السياسي… النووي كأداة فوق القانون؛
سياسياً، يكشف الكتاب أن السلاح النووي الإسرائيلي ليس مجرد وسيلة دفاع، بل أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فهو يمنح إسرائيل تفوقاً استراتيجياً دائماً، وقدرة على فرض خطوط حمراء غير متكافئة، وهامش حركة واسعاً دون مساءلة فعلية.
وتزداد راهنية هذا التحليل اليوم مع تصاعد التهديدات العلنية تجاه إيران، وتصريحات مسؤولين إسرائيليين كادت أن “تكشف البطاقة”، فضلاً عن النقاشات المتكررة في الكونغرس الأمريكي حول شروط الدعم والمساعدات، ما يضع سياسة الغموض نفسها تحت اختبار متزايد.
خاتمة؛
لا يقدّم كتاب «الخيار شمشون» نظرية مؤامرة، بل يضع القارئ أمام واقع صلب، نظام دولي يُطبّق القانون بانتقائية، ويتسامح مع أخطر أسلحة الدمار الشامل حين تكون في يد الحليف “الصحيح”.
ومن هنا، لا تكمن أهمية الكتاب في تفاصيله التاريخية فقط، بل في الأسئلة التي يفرضها اليوم:
هل يمكن لنظام دولي أن يكون عادلاً ما دام السلاح النووي خارج المساءلة؟
وهل الغموض النووي سياسة ردع، أم اعتراف ضمني بأن القوة ما زالت أعلى من القانون؟
ويبقى السؤال الأعمق: إلى متى يمكن لهذا التوازن القائم على “التابو النووي” أن يستمر في منطقة مليئة بالصراعات؟ وهل يمكن أن يتحول هذا الغموض يوماً من عنصر قوة إلى مصدر تهديد وجودي حقيقي، حين يُساء تقدير النوايا أو تفلت الحسابات من عقالها؟
(أخبار سوريا الوطن2-رأي اليوم)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
