م.مكرم عبيد
تحويل سنغافورة من جزيرة فقيرة، ممزقة عرقياً وطائفياً، ومحاطة بالأعداء في عام 1965، إلى واحدة من أغنى وأرقى دول العالم، هو “المختبر” الأهم الذي يمكن لسوريا والعديد من الدول الاستفادة منه.
لقد قامت معجزة سنغافورة على يد “لي كوان يو” وفريقه عبر ثلاث ركائز صارمة، حولت “التعددية” من قنبلة موقوتة إلى مصدر قوة:
1. فرض “الهوية الوطنية” فوق العرق والدين
عند الاستقلال، كان المجتمع السنغافوري يتكون من غالبية صينية، وأقليات ماليزية وهندية، مع صراعات دموية وتفجيرات (تشبه ما ذكرتَه في سوريا).
• الحل: لم تعلن سنغافورة نفسها “دولة صينية” (رغم أن الصينيين هم الأكثرية العددية)، بل أعلنت نفسها دولة متعددة الأعراق.
• اللغة المحايدة: تم اعتماد اللغة الإنجليزية لغة رسمية للإدارة والتعليم. لم تكن لغة أي من المكونات المتصارعة، بل لغة محايدة توحد الجميع وتفتح لهم أبواب الاقتصاد العالمي.
2. سياسة “الاختلاط القسري” في السكن
هذا هو الإجراء الأذكى الذي منع قيام “كانتونات” أو “غيتوهات” طائفية:
• وضعت الحكومة قانوناً يفرض توزيعاً عرقياً محدداً في كل مبنى سكني حكومي (حيث يعيش 80% من السكان).
• النتيجة: لا يمكن أن تجد بناية كاملة للصينيين أو للهنود. الصيني يسكن بجوار الماليزي وبجوار الهندي. هذا أجبر الناس على التعايش اليومي، ومنع نشوء مناطق مغلقة يمكن أن تنطلق منها حركات تمرد أو “فزعات” طائفية.
3. “الجدارة” (Meritocracy) كدين للدولة
بدلاً من المحاصصة (هذا الوزير من الطائفة “أ” والمدير من العرق “ب”)، اعتمدت سنغافورة مبدأ الجدارة المطلقة:
• المنصب للأكفأ فقط، بغض النظر عن اسمه أو دينه.
• محاربة الفساد: تم وضع أقسى القوانين ضد الفساد والمحسوبية. عندما يرى المواطن أن القانون يُطبق على الجميع بالتساوي، وأن “ابن المسؤول” يُحاكم مثل أي مواطن آخر، تنمو لديه الثقة في “دولة القانون” ويتخلى عن البحث عن حماية “الطائفة”.
4. العقد الاجتماعي: “الرفاه مقابل القانون”
أدركت القيادة السنغافورية أن الجائع لا يبحث عن ديمقراطية، بل يبحث عن “من يطعمه” وعادة ما يجد ذلك في طائفته. لذا:
• ركزت الدولة على بناء اقتصاد جبار وتعليم عالمي.
• عندما أصبح المواطن السنغافوري (مهما كان دينه) يمتلك منزلاً، ووظيفة محترمة، وتأميناً صحياً، وجواز سفر قوياً، أصبح خوفه على ضياع هذه المكتسبات أكبر من رغبته في الانجرار خلف صراع طائفي.
5. الصرامة في حماية “السلم الأهلي”
قانون سنغافورة يعاقب بشدة (بالسجن والغرامات الباهظة) على أي خطاب كراهية أو ازدراء للأديان، حتى في وسائل التواصل الاجتماعي. القانون هناك “لا يمزح” في قضايا الفتنة، مما جعل التعدي على دور العبادة أو الرموز الدينية أمراً انتحارياً لصاحبه.
هل يمكن تطبيق ذلك في سوريا؟
سنغافورة تثبت أن “الأكثرية والأقلية” ليست قدراً، بل هي نتيجة لغياب الدولة.
• في سنغافورة، الأكثرية الصينية لم “تبتلع” الآخرين، بل خضعت لنفس القانون.
• في سوريا، المطلوب ليس “إلغاء” الطوائف، بل “تحييدها” عن السياسة.
المفارقة المؤلمة:
بينما استثمرت سنغافورة في “الإنسان” وهو ما كان حجر الزاوية في انطلاقتها نرى اليوم في سوريا يسود “الخوف” عند مجموعات سكانية متعددة وتتعزز الهويات الفرعية . انتقال سوريا يبدأ من اللحظة التي يُعامل فيها السوري في كل المناطق ومن كل المكونات كـ “رقم وطني” له نفس الحقوق، وليس كـ “رعية” تحتاج لحماية زعيم أو مجموعات مسلحة .
فقصة سنغافورة هي النموذج الأبرز لكيفية تحويل “اللعنة” (التعددية المتصارعة والفقر) إلى “نعمة” (الاستقرار والغنى).
الخلاصة :
سنغافورة تثبت أن الإرادة السياسية الصادقة التي تضع “القانون فوق الجميع” وتكافئ “الكفاءة لا الطائفة”، تستطيع تحويل بلد مدمر ومقسم إلى جنة اقتصادية في جيل واحد فقط. الأموال تتدفق دائماً إلى الأماكن التي تسود فيها دولة القانون والنظام، وتهرب من الأماكن التي يسود فيها الخوف والمحسوبية.
———————————————-
( معلومات عن سنغافورة )
1. ديانات ومكونات الشعب في سنغافورة
سنغافورة مجتمع “متعدد الأديان والأعراق” بشكل عميق، ولم تسمح لأي طرف بفرض هويته على الآخر:
• المكونات العرقية: صينيون (نحو 74%)، ماليزيون (13%)، هنود (9%)، ومكونات أخرى.
• التركيبة الدينية (حسب إحصاءات 2024-2026):
• البوذية: 31% (الأكثرية العددية).
• بلا دين (ملحدون):20%.
• المسيحية: 19%.
• الإسلام: 15(غالبيتهم من المكون الماليزي).
• الطاوية: 8%.
• الهندوسية: 5%.
• أديان أخرى (سيخ، يهود، زردشتيين): نحو 2%.
2. القفزة الاقتصادية (دخل الفرد)
ما حققته سنغافورة يُعد معجزة بالأرقام المطلقة:
• عام 1965 (سنة الاستقلال): كان دخل الفرد السنوي نحو 500 دولار أمريكي فقط. كانت الجزيرة تعاني من بطالة هائلة، بيوت صفيح، واقتصاد يعتمد فقط على الميناء الاستعماري القديم.
• عام 2026 (اليوم): يقدر دخل الفرد السنوي بنحو 97,000 دولار أمريكي (وقد يتجاوز 160,000 دولار بحساب القوة الشرائية).
• النتيجة: تضاعف الثراء بأكثر من 190 مرة في غضون 60 عاماً.
3. من أين جاءت الأموال؟ (كيف بدأت البرامج؟)
سنغافورة لم تملك نفطاً ولا غازاً، بل ولا حتى مياه شرب (كانت تستوردها من ماليزيا). حصلت على الأموال عبر استراتيجيات غير تقليدية:
• صندوق الادخار المركزي (CPF): فرضت الحكومة قانوناً يُجبر كل عامل وصاحب عمل على ادخار نسبة من الراتب في صندوق وطني. هذه “المدخرات الإجبارية” وفرت للدولة سيولة ضخمة (رأس مال داخلي) استخدمتها لبناء المساكن والبنية التحتية دون الحاجة للاقتراض الخارجي المذل.
• مجلس التنمية الاقتصادية (EDB): تأسس برأس مال متواضع (نحو 100 مليون دولار حينها)، وكانت مهمته “طرق أبواب” الشركات العالمية (مثل جنرال إلكتريك وهيوليت باكارد). قدمت سنغافورة “إغراءات ضريبية” وبيئة “صفر فساد” مقابل أن تفتح هذه الشركات مصانعها هناك وتوظف السنغافوريين.
• تأميم الأراضي: سيطرت الدولة على معظم الأراضي بموجب قانون “استملاك الأراضي” لعام 1967، مما سمح لها ببناء مدن صناعية ومناطق سكنية بتكلفة منخفضة جداً، وجذب الاستثمارات الأجنبية (FDI) التي تدفقت بالمليارات.
• الاستثمار في “الموقع”: حولوا الميناء من مجرد محطة استعمارية إلى أكبر مركز لوجستي في العالم، واستغلوا انفصال الدولار عن الذهب في السبعينات ليحولوا سنغافورة إلى مركز مالي عالمي (سوق الدولار الآسيوي).
4. كيف منعت التمييز؟
الأموال وحدها لم تكن لتنفع دون “السلم الأهلي”:
1. المواطنة فوق العرق: رفض “لي كوان يو” اعتبار سنغافورة “دولة صينية” رغم أغلبية الصينيين، لكي لا يشعر الماليزي أو الهندي أنه “مواطن درجة ثانية”.
2. اللغة الإنجليزية: فُرضت كلغة محايدة للجميع، مما سحب البساط من “القوميين” الذين أرادوا فرض لغاتهم العرقية.
3. العدالة الصارمة: أي اعتداء على مسجد أو كنيسة أو معبد كان يُقابل بعقوبات قاسية جداً تصل للسجن الطويل، مما جعل “الفتنة” تجارة خاسرة للجميع.


(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
