آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » كيف تتحوّل الثروة النفطية من مورد ناضب إلى اقتصاد مستدام؟

كيف تتحوّل الثروة النفطية من مورد ناضب إلى اقتصاد مستدام؟

 

الخبير المهندس حيدر عبدالجبار البطاط

 

 

 

تواجه الدول الريعية، ولا سيما تلك التي يعتمد اقتصادها بشكل شبه كلي على النفط، تحدياً بنيويًاً يتمثل في هشاشتها العالية أمام تقلبات أسعار الخام في الأسواق العالمية. فالمعضلة الأساسية لا تكمن في القدرة على توليد الثروة، بل في كيفية إدارة عوائد الموارد الناضبة وتوجيهها نحو بناء اقتصاد متين ومستدام يضمن الاستقرار والازدهار للأجيال المقبلة.

 

وقد أثبتت تجارب عدد من الدول النفطية أن كسر الحلقة الريعية ممكن، شرط تبني سياسات اقتصادية طويلة الأمد تنقل الاقتصاد من الاعتماد على مورد واحد إلى نموذج متنوع يقوم على عدة ركائز إنتاجية ومالية ومعرفية.

 

 

 

الصناديق السيادية: تحويل النفط إلى أصل دائم

تُعد الصناديق السيادية من أبرز الأدوات التي اعتمدتها الدول الناجحة في إدارة فوائضها النفطية. وتقوم هذه الصناديق على استثمار العائدات في محافظ متنوعة تشمل الأسواق المالية العالمية، والعقارات، والتكنولوجيا، والبنى التحتية. والغاية الأساسية منها هي خلق مصادر دخل مستقرة ومستدامة تقلل الاعتماد المباشر على إيرادات النفط. ويُعد صندوق التقاعد الحكومي النرويجي، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي، إلى جانب مؤسسات مثل «مبادلة» و«أدنوك» في الإمارات، نماذج بارزة في هذا المجال.

 

 

 

تعظيم القيمة المضافة: من تصدير الخام إلى بناء الصناعة

بدلاً من الاكتفاء بتصدير النفط كمادة أولية، اتجهت الدول الطموحة إلى تكامل سلسلة القيمة النفطية عبر التوسع في التكرير والصناعات البتروكيماوية والصناعات التحويلية المرتبطة بالطاقة. هذا التوجه أسهم في رفع العائد الاقتصادي من كل برميل نفط، وخلق فرص عمل نوعية، وبناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة عالمياً، كما يظهر بوضوح في تجارب مثل الشراكة بين “أرامكو” و”سابك”.

 

 

 

الإصلاح الهيكلي والتشريعي: تهيئة بيئة الاستثمار

لا يمكن للاقتصاد غير النفطي أن ينمو في بيئة تنظيمية طاردة للاستثمار. لذلك، تبنّت الدول الناجحة إصلاحات تشريعية وهيكلية شملت تبسيط قوانين الاستثمار، وفتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي، وإنشاء مناطق حرة ومراكز أعمال متخصصة، إلى جانب تقليص البيروقراطية. وقد أدت هذه السياسات إلى نقل مركز الثقل في النمو الاقتصادي من الدولة إلى القطاع الخاص، كما هو الحال في تجربة منطقة جبل علي في دبي.

 

 

الاستثمار في رأس المال البشري والابتكار

أدركت الدول التي نجحت في تجاوز الريعية أن الإنسان هو المورد الحقيقي غير القابل للنضوب. ومن هنا، ركزت على تحديث المناهج التعليمية وربطها بسوق العمل، ودعم ريادة الأعمال، وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وأسهم ذلك في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، قادر على الابتكار والتكيف مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية العالمية.

 

تنويع الإيرادات: سياسة مالية ذكية

لتقليل أثر تقلبات أسعار النفط على الموازنات العامة، لجأت هذه الدول إلى تبني أدوات مالية حديثة، مثل فرض الضرائب غير المباشرة كضريبة القيمة المضافة، وتحسين كفاءة التحصيل الحكومي، وتسعير الخدمات العامة بشكل عادل. وقد ساعدت هذه السياسات في تحقيق قدر أعلى من الاستقرار المالي والحد من العجز خلال فترات تراجع أسعار الطاقة.

 

 

 

تجارب دولية ملهمة

تُبرز التجربة النرويجية نموذجاً صارمًا في فصل الإنفاق الحكومي عن عائدات النفط، من خلال قاعدة مالية تحدد السحب من أرباح الصندوق السيادي فقط. أما الإمارات، فقد نجحت في تنويع اقتصادها إلى حد أصبحت فيه مساهمة القطاعات غير النفطية تتجاوز 70% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي السعودية، تمثل “رؤية 2030” مشروعاً طموحاً لبناء ركائز اقتصادية جديدة تشمل الطاقة المتجددة، والتعدين، والصناعات العسكرية، وقطاعات الترفيه.

 

في المحصلة، تؤكد هذه التجارب أن النفط يمكن أن يكون نعمة تنموية إذا ما أُحسن استثماره بعقل استراتيجي، أو لعنة اقتصادية إذا استُهلك دون رؤية واضحة. فالانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المستدام لم يعد خيارًا ترفيًا، بل ضرورة وجودية تفرضها تحولات الأسواق العالمية ومحدودية الموارد الطبيعية.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

السورية للبترول تبدأ ضخ الغاز من حقول جبسة إلى معمل الفرقلس لتعزيز توليد الكهرباء

    بدأت الشركة السورية للبترول، اليوم السبت، ضخ الغاز الخام من حقول جبسة في الحسكة إلى معمل غاز الفرقلس بريف حمص بضغط 35 بار، ...