آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » كيف تعيد دمشق رسم نفوذها الإقليمي عبر الحدود اللبنانية؟

كيف تعيد دمشق رسم نفوذها الإقليمي عبر الحدود اللبنانية؟

 

عبدالله سليمان علي

 

أخذت الحدود السورية-اللبنانية تخرج من وظيفتها الأمنية البحتة مع التحشيدات السورية التي سبقت اندلاع الحرب على إيران. ثم جاءت الإشارات السياسية والإقليمية اللاحقة لتوحي بأن هذه الحدود لم تعد مجرد خط ضبط، بل تحولت تدريجياً إلى مساحة ضغط على “حزب الله”، وإلى ورقة تموضع في مشهد إقليمي يتغير بسرعة.

 

من الضبط إلى الضغط وحدود المناورة

لا يقتصر الأمر على ما نشرته “رويترز” عن تشجيع أميركي لدمشق على النظر في لعب دور ضد “حزب الله” في شرق لبنان، بل بدا داخلياً أيضاً، وكأن السلطة في دمشق تمهّد الأجواء لاحتمالات متعددة على هذه الحدود، من خلال تصريحات الرئيس أحمد الشرع حيال استعداده للتعاون في نزع سلاح الحزب، وسط خطاب إعلامي وديني آخذ في التشدد، واتصالات إقليمية ودولية مكثفة.

لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو ما إذا كانت دمشق ستتدخل عسكرياً في لبنان أم لا، بل كيف تحاول رفع قيمة حدودها في التفاوض الإقليمي. فقد نقلت “رويترز” عن مصادر أن واشنطن شجعت دمشق على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح “حزب الله”، لكنها أفادت أيضاً بأن القيادة السورية بدت مترددة بسبب الخشية من الانجرار إلى حرب أوسع، وإثارة توترات مذهبية داخلية، وفتح الباب أمام ردود إيرانية محتملة. وهذا التردد لا ينفي وجود التحول، بل يحدّد شكله: أن تحسب دمشق جزءاً من المعادلة، من دون أن تدفع فوراً ثمن التحوّل إلى رأس حربة فيها.

ولهذا بالضبط لم تعد الحدود السورية-اللبنانية تعمل كخط دفاعيّ فقط، بل كمنصة تموضع أيضاً. فالتحشيد على الحدود يمنح دمشق قدرة على التلويح، وإمكانية التأثير، ورفع منسوب القلق لدى الأطراف المعنية بالمشهد. لكنه، في الوقت نفسه، يتيح لها التوقف عند العتبة التي لا تجعلها بعد طرفاً مباشراً في الحرب. وهذه المنطقة الوسطى، بين الضبط والتدخل، هي التي تمنح دمشق هامش المناورة الأكبر: فهي تضغط وتشارك في رسم التوازن من دون أن تدخل بعد في كلفته الكاملة.

 

تصعيد الخطاب وبناء السردية السياسية

هذا التموضع الحدودي لا يمكن فصله عن الارتفاع الواضح في السقف السياسي للخطاب السوري خلال الأيام الأخيرة. فتصريحات الشرع الداعمة للرئيس اللبناني جوزف عون في مسألة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية لم تكن مجرد مجاملة سياسية، بل وضعت دمشق للمرة الأولى بهذا الوضوح داخل خطاب لبناني-إقليمي، يربط الاستقرار اللبناني بإنهاء ازدواجية السلاح. ثم جاء حديث الشرع عن ضرورة تشكيل غرفة عمليات عربية مشتركة ليكشف أن دمشق لا تريد الاكتفاء بخطاب الدعم، بل تسعى إلى تأطير أي دور محتمل لها ضمن مظلة عربية أوسع، توزّع المسؤولية والكلفة، وتمنحها شرعية تتجاوز حدود القرار السوري المنفرد.

من هنا، تكتسب مقالة أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية، أهميتها السياسية. فحين يكتب عن “دمشق الجديدة” بوصفها “ركيزة الأمن القومي العربي”، فإنه لا يقدم مجرد مقالة رأي، بل يساهم في صياغة السردية التي تريد السلطة السورية من خلالها تعريف دورها الجديد. والمسألة هنا ليست تنظيراً سياسياً مجرداً، لأن المقال يؤدي وظيفة عملية: رفع الشرعية السياسية لفكرة الدور السوري الإقليمي، والتمهيد لفكرة أن سوريا لم تعد فقط دولة تحمي نفسها من تداعيات الحرب، بل دولة يمكن أن تكون جزءاً من ترتيبات الأمن العربي في لحظة اهتزاز إقليمي واسع.

 

 

تحركات إقليمية وإعادة تعريف وظيفة الحدود

لكن الأهمّ أن هذا السقف الخطابي لم يبق معلّقاً في الهواء، بل ترافق مع شبكة تحركات سياسية وأمنية تشير إلى أن دمشق باتت جزءاً من مشاورات أوسع لإدارة الأزمة. فالوفد الأردني الذي زار دمشق بعد اندلاع الحرب لم يكن وفداً ديبلوماسياً عادياً، بل ضم وزير الخارجية أيمن الصفدي، ورئيس هيئة الأركان يوسف الحنيطي، ومدير المخابرات أحمد حسني. وهذه التشكيلة وحدها تكشف أن النقاش مع دمشق كان يتصل مباشرة بالأمن الحدودي، والتداعيات العسكرية، وإدارة المخاطر الإقليمية، لا بمجرد التنسيق السياسي العام. ويعزز هذا الانطباع أن زيدان نفسه وصف الزيارة بأنها “لها ما بعدها”، وأنها تؤشر إلى مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة.

في الموازاة، شارك الشرع منذ بدء الحرب على إيران في مسارين متوازيين لهما دلالة كبيرة: الأول اجتماع عبر الفيديو جمع عدداً من قادة المنطقة بمبادرة أوروبية، حيث أكد البيان الصادر بعده ضرورة العمل المشترك لتجنّب اتساع الحرب واستعادة الاستقرار في الشرق الأوسط؛ والثاني تمثل بالاتصال الثلاثي، الذي ضمّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والشرع وعون، وشدد خلاله الشرع على احترام سيادة لبنان ودعم استقراره. ولا تكمن أهمية هذه الاتصالات فقط في مضمونها المعلن، بل في دلالتها الأوسع: سوريا لم تعد تتحرك على حدودها بوصفها دولة معزولة تتلقى الصدمة، بل كطرف يشارك في مشاورات إدارة الصدمة نفسها.

بهذا المعنى، لم تعد الحدود السورية-اللبنانية مجرد مسألة سيادة أو انتشار عسكري. لقد أصبحت جزءاً من شبكة احتواء إقليمية تتشكّل حول الحرب وتداعياتها. فالأردن يحضر بثقله الأمني والعسكري، والأوروبيون يفتحون منصة تشاور مع قادة المنطقة، وفرنسا تدخل على خط بيروت-دمشق مباشرة، فيما تحاول دمشق أن تعرض نفسها طرفاً ضرورياً في أي ترتيبات لاحقة. والجديد، إذن، ليس فقط وجود قوات سورية على الحدود، بل وجود عملية سياسية موازية تعيد تعريف وظيفة تلك الحدود، بحيث تصبح أداة ضغط منسقة، لا مجرد خط ضبط جامد.

ولذلك، لا تبدو دمشق اليوم في موقع الدولة المحايدة على حدود لبنان، لكنها ليست أيضاً في موقع الدولة التي حسمت قرار العبور إلى الحرب. فهي ترفع سقفها السياسي إلى الحد الذي يزيد من وزنها، لكنها تبقي سقفها العسكري دون العتبة التي تُدخلها في مواجهة مكشوفة، لأن أيّ دور مباشر داخل لبنان قد يحوّلها من طرف ضاغط إلى طرف مستهدف، ولأنّ أيّ تدخّل بريّ في شرق لبنان، من دون مظلّة حماية وغطاء ناري مريح سيكون دخولاً إلى ساحة يعرفها “حزب الله” جيّداً.

ما تفعله سوريا، في المحصلة، هو إعادة تسعير حدودها سياسياً وعسكرياً، وتحويلها من خط دفاع إلى ورقة نفوذ، ومن وظيفة الضبط إلى وظيفة الضغط، مع البقاء عند حافة التدخل لا القفز إليه.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ماذا يعني أنها حرب «إسرائيل الكبرى»؟

ط خليل كوثراني     لماذا يسأل كاتب في صحيفة خليجية هذه الأيام ما إن كانت الحرب ستغيّر سياسات إيران؟ ليس السؤال فقط للإشارة إلى ...