ثمّة رسائل عديدة أرادت الجهة (حزب العمال الكردستاني تبنّى الهُجوم) إرسالها من وراء “الهُجوم الإرهابي” أو “الانتحاري” الذي “نفّذه”، واستهدف مُجمّعاً أمنيّاً في العاصمة أنقرة، وإيصالها للسلطات التركيّة، وإن كان الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان يرى بأنه منع “الإرهابيين” من تحقيق أهدافهم.
الرّسالة الأهم، هي في توقيت الاستهداف، وقبل افتتاح الدورة البرلمانيّة الجديدة، والتي كان من المُفترض أن تُصادق فيها على انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي، ورمزيّة البرلمان التركي، والقدرة على استهدافه.
المكان لا يحتاج إلى المزيد من تسليط الأضواء عليه، فهو بالغ الأهميّة، فالهُجوم استهدف “مقر الشرطة” و”وزارة الداخليّة”، وهُما واقعين في المجمع نفسه، ووسط العاصمة أنقرة، وبالقُرب من مبنى البرلمان.
تُطرح تساؤلات تلقائيّة حول كيفيّة تمكّن المُهاجمين من تحقيق الهُجوم، والوصول لهذه النقاط الحسّاسة في تركيا ويُفترض أنها نقاط مُحصّنة، وعالية الحراسة، بل وتمكّن الهُجوم من إصابة عُنصرين، ولافت بأن الهُجوم وقع في الشارع الذي تقع فيه وزارة الداخليّة، وكان شبه مُقفل بسبب هُطول أمطار غزيرة، فهل استغلّ المُهاجمون هذه الأمطار، أم تحصينات الوزارة لم تكن كافية، ما يضع علامات استفهام.
تقارير إعلاميّة تحدّثت بالفعل عن أن مُخطّط المُسلّحيْن كان شن هُجوم أوسع مّما تم تنفيذه، لكن قوّات الأمن التركيّة أحبطت ذلك.
وأدانت سفارة الولايات المتحدة في أنقرة الهجوم الذي وصفته بالإرهابي على مديريّة أمن العاصمة، كما عبّرت عن تضامنها مع حليفتها في الناتو ضد الإرهاب، ومن جهتها، أدانت السفيرة البريطانية جميع أشكال الإرهاب، وقالت إن لندن تقف بحزم في دعم حليفتها تركيا في حربها ضد الإرهاب.
عربيّاً، نددت الخارجية المصريّة بالهجوم، وعبرت عن تضامنها مع تركيا حكومةً وشعباً، وأكّدت رفضها جميع أشكال الإرهاب والعنف المُؤدّي إلى زعزعة الاستقرار وترويع المُواطنين، ومن جانبها أعربت الخارجيّة السعوديّة عن إدانتها واستنكارها الهُجوم على مديريّة الأمن التابعة لوزارة الداخليّة في تركيا، إلى جانب إدانة كل من قطر، والأردن، والجزائر، وفلسطين للهُجوم الانتحاري.
في المشهد العام بعد الهُجوم، حرص الرئيس أردوغان على الوصول للبرلمان في الوقت المُحدّد دون تأخير، وأدان بأشد العبارات الهُجوم على المديريّة العامّة للأمن.
وفي تفاصيل الهُجوم، قال وزير الداخليّة التركي علي يرلي كايا، إن “إرهابيين اثنين وصلا على متن مركبة تجاريّة حوالى الساعة التاسعة والنصف صباحاً، أمام بوابة الدخول إلى الإدارة العامة للأمن التابعة لوزارة الداخلية ونفّذا عمليّة تفجير”.
وكانت الجهة التي تقف خلف الهُجوم غير معلومة تماماً للسلطات التركيّة التي فتحت تحقيقاً حول الجهة المسؤولة وتتأرجح عادةً بين حزب العمال الكردستاني أو تنظيم داعش، ليأتي إعلان حزب العمال الكردستاني تبنّيه للهُجوم الانتحاري صريحاً، الأمر الذي عدّه البعض مُحرجاً للسلطات التركيّة التي بدت مُخترقة، أو عاجزة تُجاه التنظيمات الإرهابيّة التي قال الرئيس التركي اليوم عنها أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، لأنه يضربها بشكلٍ دائم، فيما ينتظر العالم حُكومته للإعلان عن نتائج التحقيق، حيث نفّذ الهجوم رجلان، أقدم أحدهما على تفجير نفسه.
وأظهر مقطع سجّلته كاميرا مراقبة، سيّارة رماديّة اللون تقف ببطء أمام مقر الشرطة، ويبدو أن الهجوم لم يقتصر على الرجلين المُنفّذين، حيث أفاد مركز شرطة أنقرة أنه يُنفّذ عمليّات “تفجير مضبوطة” لـ”طُرودٍ مشبوهة” خوفًا من هجماتٍ أخرى، داعياً السكّان لعدم الذّعر.
وأظهرت مقاطع فيديو مُتداولة حالة الذّعر التي بدت على المارة الذين كانوا قريبين من موقع الانفجار.
يُطرح تساؤل بعد هذا الهُجوم، إذا كان هُجوماً فرديّاً، أم سيتبعه سلسلة هجمات مدروسة، ومُدبّرة بعناية، تستهدف مراكز دولة حسّاسة، حيث قبل عام فقط، شهدته تركيا، وأودى بحياة ستّة أشخاص وأسفر عن إصابة 81 في شارع للمشاة بوسط إسطنبول، واتّهمت تركيا مُسلّحين أكرادًا بالمسؤوليّة عنه، وما إذا كان شكل الهجمات قد تتطوّر، استهدف مشاة مدنيين، والجديد اليوم بدأ باستهداف رجال شرطة.
تجدر الإشارة إلى أن مقر البرلمان الذي حضر إليه أردوغان لافتتاح الدورة الجديدة، يبعد 300 متر عن موقع الهُجوم، ما يطرح تساؤلات حول تعمّد تنفيذه في النقطة والمسافة هذه، ولماذا لم ينتظر المُهاجمون وصول الرئيس أردوغان لتنفيذ الهُجوم، وهل كانوا يستطيعون تنفيذه مع وصول الرئيس التركي لمبنى البرلمان، فالسلطات فعليّاً أجرت عمليّات تفتيش للبرلمان بعد الهُجوم والانفجار.
ويبدو أن السلطات التركيّة بدت عاجزة، عن التحكّم بمنصّات التواصل الاجتماعي، حيث طُلب من جميع وسائل الإعلام المحليّة، وخُصوصًا القنوات التلفزيونيّة، التوقّف فورًا عن بثّ الصّور ومقاطع الفيديو من مكان الهُجوم، ولكنّ وزير الداخليّة التركي كايا أعلن اعتزامه فتح تحقيق حول حسابات التواصل الاجتماعي التي انتهكت الحظر الإعلامي الخاص بالهُجوم الإرهابي في أنقرة ونشرت مشاهد اللحظات الأولى للاعتداء.
الرئيس أردوغان وخلال كلمته خلال افتتاح الدورة التشريعيّة الجديدة للبرلمان وبعد الهُجوم، كان لافتاً بأنه أعادَ التأكيد بأنّه لا يحتاج إلى وقت، وظُروف مُناسبة للتدخّل العسكري مرّةً أخرى لضرب الإرهابيين في عُقر دارهم (يقصد سورية)، ما يطرح تساؤلات حول هل جاء هذا الهُجوم، للتأكيد على صحّة وجهة نظر أردوغان وتدخّله في سورية، ومُواصلة تبريره، وعدم تلبية الشرط السوري للتطبيع معه، وهو الانسحاب النهائي التركي من الأراضي السوريّة المُحتلّة.
وبالتزامن، ركّزت وسائل إعلام تركيّة على أن الهُجوم تم بأسلحةٍ روسيّة، وتحديدًا قاذفة “آر بي جي” المُستخدمة من قبل ما وصفتهم بالإرهابييــن في الهُجـوم على مبنى المديريّة العامّة للأمن بالعاصمة أنقرة.
وذكرت وسائل الإعلام المذكورة، بأن هذه القاذفة المُستخدمة كانت قد قدّمتها موسكو لحكومة الرئيس السوري بشار الأسد قبل أن تنتقل منه إلى مُتناول تنظيم “واي بي جي/ بي كي كي” الإرهابي، وتبنّي حزب العمال الكردستاني لهذا الهجوم الانتحاري، قد يُؤكّد صحّة الفرضيّة.
كما تبيّن أن السلاح وفق ذات وسائل الإعلام التركيّة الذي كان بحوزة من وصفته بالإرهابي، هو من طراز “Colt M4 أمريكي الصنع.
وقال حزب العمال الكردستاني لوكالة “إيه إن إف” القريبة من الحركة الكرديّة إن “عملًا فدائيًّا نُفّذ ضد وزارة الداخليّة التركيّة من جانب فريق تابع للواء الخالدين”، وهو تبنّي صريح يرفع الغُموض عن الجهة المسؤولة، والتي يبدو أنها وضعت هجومها الانتحاري في سياق “العمل الفدائي” الذي لا تخجل منه، وخاصّةً أنه لم يستهدف مدنيين، على عكس تفجير إسطنبول قبل عام، ومع هذا تبقى التساؤلات مفتوحة حول الخطوات التركيّة القادمة، وتحديدًا خطّتها في سورية، والتي لا يبدو أنها ناجعة في منع “تسلّل الإرهابيين” للداخل التركي، وهُجوم أنقرة اليوم لهو أكبر دليل.
سيرياهوم نيوز 4_راي اليوم