نور ملحم
الفقر في سورية أصبح واقعاً يومياً يعيشه ملايين المواطنين، من دمشق وحلب حيث يحاول بعض السكان الحفاظ على مستوى معيشي مقبول نسبيًا، إلى إدلب ودرعا والبوادي المحيطة بها حيث تصل معاناة الأسر إلى أقصى حدودها. المدن الكبرى تشهد تفاوتًا حادًا بين طبقاتها الاجتماعية، فالوظائف في القطاع العام لم تعد تكفي لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية، والعائلات الأكثر هشاشة تعتمد على التحويلات والدعم الجزئي للبقاء على قيد الحياة. القرى والمناطق الريفية تتحمل العبء الأكبر، مع محدودية الوصول إلى الأسواق والخدمات الأساسية، ما يجعل الأزمة الإنسانية أعمق من مجرد أرقام. وفق تقديرات الأمم المتحدة، يعيش نحو 90٪ من السوريين تحت خط الفقر، مع حوالي 66٪ يعيشون في فقر مدقع، أي دون القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية من غذاء ومسكن وخدمات صحية.
الواقع السوري يختلف من مدينة إلى أخرى، دمشق، رغم كونها المركز الإداري والاقتصادي، تواجه تفاوتاً اجتماعياً كبيرًا، فتكاليف المعيشة مرتفعة مقارنة بالدخل، بينما في حلب، المدينة الأكثر اكتظاظاً، تعاني بعض الأحياء من نقص الخدمات وفرص العمل، خاصة بعد تدمير البنية التحتية والصناعات المحلية خلال السنوات السابقة.
في الجنوب، درعا وريفها يواجهان صعوبات إضافية بسبب نقص التنمية والخدمات الأساسية، فيما تواجه البوادي والمناطق الريفية تحديات أمنية واقتصادية مضاعفة تجعل الفقر هناك أكثر عمقًا.
عند مقارنة الوضع السوري بالدول المجاورة، يتضح حجم التحدي بشكل أكبر، في لبنان، يعيش نحو 44٪ من السكان تحت خط الفقر، مع تفاوت شديد بين المناطق الحضرية والريفية، حيث قد يصل معدل الفقر في مناطق مثل عكار شمالاً إلى أكثر من 60٪، بينما العاصمة بيروت تسجل نسبًا أقل نسبياً. الانهيار المالي والمصرفي، وانخفاض قيمة العملة المحلية، وفشل السياسات الاقتصادية في حماية المواطنين من الغلاء المتصاعد، جعل الحياة اليومية صعبة للغاية، والاعتماد على التحويلات والمساعدات الطارئة صار قاعدة لا استثناء.
في العراق، رغم الثروات النفطية الكبيرة، لا تزال مشكلة الفقر قائمة، حيث يعيش نحو 17.5٪ من السكان في فقر نقدي، خاصة في وسط وجنوب البلاد، بينما العاصمة بغداد والمناطق النفطية تستفيد نسبياً أكثر، الأسباب هنا واضحة، فهي مرتبطة بسوء إدارة الموارد العامة، والفساد، والاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية دون تنويع الاقتصاد، ما يجعل السكان في المناطق الريفية والأقل نفوذاً أكثر تضرراً، ويخلق فجوة كبيرة بين المدن والمناطق المحرومة.
أما باكستان، فهي مثال صارخ على كيف يمكن أن تتفاقم الأزمة الاقتصادية حتى في بلد يمتلك إمكانيات إنتاجية كبيرة. ارتفع معدل الفقر إلى 29٪، وهو الأعلى منذ أكثر من عقد، مع تأثير أكبر على المناطق الريفية، إذ ارتفع معدل الفقر في القرى من 28٪ إلى أكثر من 36٪، بينما في المدن ارتفع من 11٪ إلى نحو 17٪. المقاطعات الأفقر مثل بلوشستان تجاوز معدل الفقر فيها 47٪، فيما ارتفعت البطالة إلى 7٪، والقوة الشرائية انخفضت بشكل كبير بسبب التضخم المستمر، رغم الادعاءات الرسمية باستقرار الاقتصاد الكلي. السياسات الاقتصادية غير المتوازنة، مثل خفض الدعم ورفع الضرائب دون تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل، أدت إلى زيادة التفاوت الاجتماعي وتفاقم أزمة الفقر، وهي دروس مباشرة يمكن لسورية الاستفادة منها لتجنب تكرار نفس الأخطاء.
الدروس من دول أخرى، سواء في المنطقة أو خارجها، تؤكد أن الفقر غالبًا مرتبط بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية أكثر من الموارد المتاحة. في البرازيل، يعيش نحو ربع السكان تحت خط الفقر، خاصة في المناطق الريفية والأحياء الفقيرة في المدن الكبرى، رغم اقتصاد كبير ومتنوع. وفي جنوب إفريقيا، يواجه أكثر من نصف السكان تحديات الفقر والبطالة، رغم كونها أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية، ما يبرز أن الفقر قضية متعلقة بكفاءة السياسات الاقتصادية والاجتماعية أكثر من الإمكانيات المالية فقط.
تتعدد أسباب الفقر في البلدان المختلفة، لكنها غالبًا تتقاطع في ثلاث محاور رئيسية: ضعف البنية الاقتصادية والإدارية، غياب برامج التنمية المستدامة، والتفاوت في توزيع الموارد. في لبنان، الفقر نتيجة الانهيار المالي والمصرفي والسياسات غير الفعالة في حماية المواطنين من التضخم وارتفاع الأسعار. في العراق، الفقر مرتبط بالفساد وسوء إدارة الموارد، وعدم تنويع الاقتصاد. أما باكستان، فالأزمة نتجت عن سياسات اقتصادية غير متوازنة، من خفض الدعم ورفع الضرائب دون تعزيز الإنتاج المحلي، ما أدى إلى زيادة التفاوت الاجتماعي وتفاقم الفقر الريفي. سورية، بطبيعة الحال، تجمع بين كل هذه العوامل، مع أبعاد إضافية بسبب النزاع المستمر، التهجير الكبير، توقف الإنتاج في العديد من القطاعات، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، مما جعل الحياة اليومية تحديًا مستمرًا للمواطنين.
ومع ذلك، هناك فرصة للتحرك إذا تم تبني سياسات اقتصادية شاملة وطويلة المدى، تشمل تعزيز الإنتاج المحلي والصناعات الزراعية والحرفية، تحسين الوصول إلى التعليم والخدمات الصحية، خلق فرص عمل مستدامة، وتحقيق الاستقرار الأمني والوصول إلى الأسواق في جميع المحافظات. الفقر ليس مجرد رقم في تقرير رسمي، بل حياة يومية تتأثر بكل قرار سياسي أو اقتصادي، ومن هنا تأتي مسؤولية الحكومة والمجتمع الدولي لضمان سياسات اقتصادية عادلة ومستدامة، وإعادة بناء مجتمع قادر على الصمود ومواجهة الأزمات المستقبلية.
الفقر في سورية، كما في كل الدول الأخرى التي تمت مقارنتها، قضية مرتبطة بالسياسات أكثر من الموارد فقط. التركيز على السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفعالة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الدخل، وخلق فرص عمل مستدامة، هو الطريق الوحيد لتخفيف معاناة المواطنين. الفقر ليس مجرد رقم في تقرير رسمي، بل حياة يومية يواجه فيها السوريون صعوبات مستمرة في تأمين الطعام والتعليم والصحة. إعادة بناء مجتمع قادر على الصمود يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتخطيطًا استراتيجيًا بعيد المدى، واستثماراً مستداماً في الإنسان والاقتصاد والبنية التحتية.
التحويلات النقدية والدعم الجزئي وحده لن يحقق فرقاً دائماً. ما يحتاجه السوريون هو اقتصاد متوازن، سياسات اجتماعية عادلة، واستثمار طويل المدى في الإنتاج والعمل والتعليم. فقط بهذا يمكن أن يخرج السوري من دائرة الفقر، وتصبح المدن والقرى على حد سواء أماكن يعيش فيها الناس بكرامة، بعيدًا عن صراع البقاء اليومي.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
