نهلة أبو تك:
لا يمكن للموظف تطوير مهاراته أو الإبداع في عمله إذا اقتصر دوره على التنفيذ فقط. فالعمل ليس مجرد آلية إنتاج، بل هو طاقة إنسانية تحتاج إلى بيئة عمل تحفّز التفكير، وتقدّر الجهد، وتمنح الموظف مساحة للتعلّم والمبادرة.
وعندما تتوافر هذه العناصر، تتحوّل الإنتاجية من هدف مفروض إلى نتيجة طبيعية للنمو المهني والشغف الوظيفي.
غير أن هذه الصورة الإيجابية كثيراً ما تصطدم بواقع مختلف، حيث يتراجع الدعم، ويحلّ محلّه ضغط نفسي ووظيفي يستهلك الموظف تدريجياً ويقلّص حماسه قبل أن ينعكس على مستوى أدائه.
من أين يبدأ الخلل؟
الخلل لا ينشأ من ضعف المهارة أو غياب الرغبة في العمل، بل من عوامل بيئية متراكمة تجعل ثقافة العمل أقل قدرة على الاحتواء. فعندما يشعر الموظف أن الاستمرار يتطلب حذراً دائماً أو التنازل عن جزء من ذاته، يصبح الأداء عبئاً نفسياً قبل أن يكون جهداً مهنياً.
تقول مروة، موظفة في شركة خاصة: أحسب كل كلمة قبل أن أنطق بها، ليس خوفاً من الخطأ، بل من أن يُساء فهمي.. أحياناً يكون الصمت الخيار الأكثر أماناً.
هذا الحذر المستمر لا يحدّ من الإبداع فحسب، بل يخلق حالة دائمة من الترقّب، تجعل الموظف منشغلاً بتفادي الأخطاء أكثر من سعيه للتطوير.
الجهد غير المرئي
المسبب الثاني يكمن في غياب التقدير مقابل حضور النقد، وفي هذا السياق توضح سامية (موظفة في قطاع إداري) قائلة: ننهي مهاماً تفوق المطلوب، لكن لا أحد يلاحظها، في المقابل، خطأ صغير يكفي لأن يطغى على كل ما سبق.
في مثل هذه بيئات العمل، يشعر الموظف أن جهده غير مرئي بينما تُضخّم الهفوات، ما ينعكس على ثقته بنفسه ويقلّل دافعيته للاستمرار، ويحوّل العمل من مساحة إنجاز إلى مصدر توتّر.
حين تتآكل الطاقة تدريجياً
أما المؤشر الأكثر حساسية، فهو الإرهاق النفسي. تقول ليلى، موظفة في شركة خدمات: مجرد دخولي إلى المكتب أشعر بانخفاض طاقتي، لا أستعيد توازني حتى بعد انتهاء الدوام.. ليس تعب عمل بقدر ما هو إرهاق نفسي متراكم.
هذا النوع من الإرهاق لا يُقاس بساعات العمل، بل بمقدار الاستنزاف الناتج عن بيئة لا تمنح الموظف شعوراً بالراحة أو التقدير.
المشكلة في المناخ لا في الأشخاص
توضح الخبيرة الاجتماعية راميا صبيرة أن هذه المؤشرات تعكس خللاً في ثقافة العمل، وتقول: في بعض البيئات، يختار الموظف الصمت حفاظاً على استقراره الوظيفي، ما يعكس حاجة هذه المؤسسات إلى تعزيز الثقة والتواصل. استمرار هذا النمط لا يؤثر على الفرد فقط، بل على المؤسسة بأكملها، من حيث تراجع المبادرة وضعف الانتماء.
وتضيف صبيرة: الموظف لا يفقد مهاراته، بل حماسه تدريجياً، وهو تحد حقيقي لأي مؤسسة تسعى إلى الاستدامة.
كيف يمكن تحويل الضغط إلى دافع إنتاج؟
ترى صبيرة أن معالجة الواقع ممكنة إذا وُجد وعي حقيقي بأهمية المناخ الإنساني في بيئة العمل، ومن أبرز الممارسات:
- فتح قنوات تواصل تسمح بالتعبير المهني دون توتّر.
- ترسيخ ثقافة التقدير والشكر بشكل طبيعي.
- التعامل مع الأخطاء كجزء من التطوير، لا كأداة للضغط.
- احترام التوازن النفسي للموظف وحدود طاقته.
وخلصت صبيرة إلى إن بيئة العمل ليست مجرد مكاتب وجداول دوام، بل مناخ اجتماعي ونفسي قادر على أن يصنع موظفاً مبدعاً أو يطفئه ببطء. وعندما يغيب التقدير ويُستبدل التحفيز بالضغط النفسي، تكون الخسارة على مستوى الفرد والمؤسسة معاً. الموظف الذي يُمنح مساحة للتطور، هو ذاته القادر على الإنتاجية المستدامة والشغف بالعمل.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الحرية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
