آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » كيف يصف تقرير الدفاع الأميركي تحول سوريا من نموذج أمني إلى مدني؟

كيف يصف تقرير الدفاع الأميركي تحول سوريا من نموذج أمني إلى مدني؟

– عاصم الزعبي

 

نفذت الحكومة السورية قبل أيام أول عملية نقل بشكل منظم للدفعة الأولى من سكان مخيم “الهول” من المخيم إلى مخيم “أخترين” في ريف حلب. وضمت العملية 6 حافلات نقلت حوالي 400 شخص من النساء والأطفال، على أن يتم تنفيذ عمليات نقل أخرى خلال الأيام القادمة، بهدف إغلاق المخيم في وقت لاحق نهائيا.

 

أعلنت الحكومة السورية أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بالتعاون مع الهلال الأحمر السوري والجهات المعنية، أعدت خطة متكاملة للإشراف على مخيم أخترين، تتضمن برامج لإعادة التأهيل وتجهيز مدرسة ومركز صحي، إضافة إلى توفير خدمات أساسية للعائلات الواصلة، وسط سعي من الحكومة للإشراف الحكومي المباشر على قاطني المخيم.

 

إلا أن المخيم، ومنذ تسلم الحكومة السورية الإشراف عليه نهاية الشهر الماضي من قوات “قسد”، دفع العديد من الجهات إلى إطلاق تصريحات وتحليلات حوله، خاصة أن جزءا من قاطنيه هم من عائلات مقاتلي تنظيم “داعش”. كما صدرت تصريحات بهروب عدد كبير من سكانه، ووجود أخطاء في طريقة تعامل الحكومة مع المخيم، وهذا ما يطرح أسئلة حول حقيقة ما يجري في المخيم. ومن جهة ثانية، يبين أن تعامل الحكومة السورية مع المخيم يعد واحدا من أهم التحديات التي تثبت فيها الحكومة قدرتها على تحقيق الاستقرار.

 

صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، ذكرت عن مسؤولين أميركيين، أن ما بين 15000 و20000 شخص تمكنوا من الفرار من المخيم، وانتشروا في أرجاء سوريا، فيما وصل بعضهم إلى دول مجاورة. وأشارت إلى أن عملية الفرار جاءت بعدما تولت القوات الحكومية حراسة المخيم، مضيفة أن السجناء استغلوا احتجاجات اندلعت داخله وأحداثا رافقتها أحدثت ثغرات في السياج الأمني.

 

لكن بحسب مصادر مطلعة على الأوضاع في مخيم الهول، فإن الأرقام التي تداولتها الصحيفة الأميركية مبالغ فيها إلى حد كبير وغير منطقية، خاصة أن الجيش السوري تسلم المخيم بشكل كامل وفوري نهاية الشهر الماضي من “قسد”، إضافة إلى وجود قوات “التحالف الدولي” آنذاك حين التسليم.

 

كما أن جهات إعلامية نقلت عن مختصين أن ما تم تداوله من صور حول هروب قاطني المخيم غير صحيحة، وهي صور قديمة ومن أماكن أخرى. كما لم يخرج أي تصريح عن الحكومة السورية عن الأمر، ولا توجد أي شهادات من السكان حول هروب قاطني المخيم. إضافة إلى ذلك، فإن أطرافا من حزب العمال الكردستاني داخل “قسد” لا تزال تسعى لإظهار أن الحكومة السورية تعاني من عجز في حماية المخيم، وهو على ما يبدو ما تبناه المسؤولون الأميركيون الذين صرحوا للصحيفة الأميركية.

 

تسعى الحكومة السورية من جانبها إلى إعادة دمج النساء والأطفال من مخيم الهول في المجتمع من خلال نقلهم إلى مخيمات أفضل، والعمل على منع نشوء جيل يتبنى أفكار تنظيم “داعش”.

 

تقرير أميركي حول عملية “العزم الصلب”

نشرت وزارة الدفاع الأميركية مؤخرا تقريرها عن وجود قواتها في سوريا، ويعكس التقرير الذي أعده المفتش العام للوزارة صورة تقنية وأمنية دقيقة للواقع في سوريا، بعيدا عن الخطاب السياسي، مع التركيز على مكافحة تنظيم “داعش” وبناء القدرات الأمنية وإدارة مراحل الانتقال.

 

تحدث التقرير عن تطورات إيجابية في سوريا، تتلخص في أنه لم يعد لتنظيم “داعش” سيطرة واسعة، ما يمثل تحولا استراتيجيا مهما مقارنة بسنوات الذروة.

 

أما فيما يتعلق بالمؤسسات الأمنية السورية، فعلى الرغم من حداثة تأسيسها، فقد بدأت تكتسب خبرة تشغيلية فعلية في إدارة العمليات ومكافحة الإرهاب. وساهم في ذلك غياب تشكيلات عسكرية منفصلة، وهو ما قلل من تعدد مراكز القرار الأمني، وعزز فرص توحيد المؤسسة العسكرية.

 

أكد التقرير أن إفراغ مخيم الهول خفف أحد أكثر الملفات تعقيدا من الناحيتين الإنسانية والأمنية، وقلل من مخاطر التطرف داخل المخيم. ولفت إلى تحسن نسبي في التنسيق الأمني والانتقال من مرحلة “الاستجابة الطارئة” إلى مرحلة بناء المؤسسات، وهذا ما يعطي فرصة حقيقية للانتقال من إدارة الأزمة إلى تثبيت الاستقرار، في حال استمرت عملية بناء القدرات بشكل منهجي.

 

لكن في مقابل ذلك، تطرق التقرير إلى وجود ملاحظات سلبية ومخاطر قائمة، فتنظيم “داعش” لم ينته بل تحول إلى نمط “التمرد منخفض الكثافة” عبر خلايا نائمة وعمليات متفرقة.

 

أما المؤسسات الأمنية فما تزال في طور التأسيس، وتواجه تحديات في عدة مجالات أبرزها التدريب الاحترافي طويل الأمد، ومنظومات اللوجستيات، والتكامل الاستخباراتي، والاستدامة المالية.

 

كما تحدث التقرير عن الضغوط الاقتصادية “التضخم، البطالة، ضعف البنية التحتية”، التي قد تؤثر على بيئة الاستقرار إذا لم تترافق المعالجة الأمنية مع تعاف اقتصادي ملموس. وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية أدت إلى وجود فجوة بين المواطن وبعض مؤسسات الدولة، وهو ما يحتاج إلى معالجة عبر الشفافية والمساءلة.

 

تحديات وفرصة تاريخية

يوضح تقرير وزارة الدفاع الأميركية أهم التحديات التي سماها الهيكلية وأشار إليها ضمنيا، ومنها تحويل المكاسب التكتيكية إلى مؤسسات احترافية مستقرة طويلة الأمد، وضمان أن تكون عملية توحيد الهياكل الأمنية مدروسة دون خلق احتكاكات داخلية، وتعزيز منظومات الاستخبارات والرصد لمواجهة التهديدات غير التقليدية، وضمان الاستدامة المالية للمؤسسات الأمنية الجديدة، والانتقال التدريجي من نموذج أمني بحت إلى نموذج استقرار تقوده مؤسسات مدنية قوية، والحفاظ على التعاون الدولي التقني خلال المرحلة الانتقالية دون المساس بالسيادة الوطنية.

 

إذ إن التقرير، بحسب ما نشر السفير السوري السابق بسام بربندي، يرى أن سوريا خرجت من مرحلة السيطرة الإقليمية للتنظيمات المتطرفة، لكنها لا تزال في مرحلة بناء مؤسسات أمنية حديثة. كما أن الاستقرار المستدام لن يتحقق عبر الأمن فقط، بل بحاجة إلى تعاف اقتصادي حقيقي، ومؤسسات شفافة وفعالة، وثقة عامة متنامية، ومعالجة طويلة الأمد لجذور التطرف، وإدارة متوازنة للعلاقات الإقليمية والدولية.

 

وبحسب بربندي، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية إذا تم تحويل الخبرة الأمنية الناشئة إلى مؤسسات راسخة، يتم فيها ربط الاستقرار الأمني بإصلاح اقتصادي وإداري، يمكن لسوريا أن تنتقل من إدارة أزمة إلى بناء الدولة، مع الأخذ في الاعتبار الحذر والاحترافية والتخطيط طويل الأمد.

 

مسارات مشتركة للتعافي

بالتزامن مع نجاح المؤسسات الأمنية في سوريا بالتحول إلى مؤسسات احترافية، يرى خبراء أن هناك مسارات لا بد من العمل فيها بشكل متواز خلال المرحلة القادمة، وهو ما بدأت الحكومة السورية تعمل عليه في عدة مجالات بشكل تدريجي، وفق القدرات التي تتمتع بها، خاصة من الناحية الاقتصادية.

 

فبالنسبة لمكافحة التطرف، لا يجب الاكتفاء بالتعافي الاقتصادي كطريقة وحيدة لمكافحة التطرف في سوريا، فهذه الطريقة تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وبالتالي تحتاج إلى بعض الوقت لتظهر آثارها في المجتمع. ومن هنا يمكن إدخال النموذج الذي اتبعته المملكة العربية السعودية في مكافحة التطرف من الناحية الفكرية، وهذا ما بدأت الحكومة عمله في دمج الأطفال والنساء ممن تم نقلهم من مخيم الهول. كما لا بد من تجفيف منابع التطرف فكريا وأمنيا، والأهم اقتصاديا، من خلال ملاحقة شبكات التمويل للإرهاب داخليا وخارجيا وقطع جميع أذرعها.

 

بالنتيجة، فإن الدولة السورية تسير اليوم نحو التعافي وبناء الدولة بشكل تدريجي، لكنه أثبت أنه فعال خلال فترة قصيرة بعد سقوط نظام الأسد. ولا بد من الاستمرار بذلك مع تكثيف العمل للوصول إلى مرحلة بناء الدولة بأركانها المتكاملة.

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من جديد إلى السماء… استئناف الرحلات عبر الأجواء السورية وإعادة تشغيل مطار دمشق الدولي

  دمشق:رولا فايز خليل     في خطوة تعكس عودة تدريجية للحياة الطبيعية في قطاع الطيران، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السوري عن إعادة فتح ...